الصفحة 275 من 761

يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه، كما يكره أن يلقى في النار) فهذا وافق ربه فيما يحبه وما / يكرهه فكان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق للّه لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه للّه، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء اللّه، وأولياء اللّه؛ لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم للّه لا لغيره، وقد قال تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .

ولهذا قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، فإن الرسول يأمر بما يحب اللّه، وينهى عما يبغضه اللّه، ويفعل ما يحبه اللّه، ويخبر بما يحب اللّه التصديق به، فمن كان محبًا للّه لزم أن يتبع الرسول، فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا، فقد فعل ما يحبه اللّه. فيحبه اللّه، فجعل اللّه لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله.

وذلك؛ لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه اللّه من الإيمان، والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه اللّه من الكفر والفسوق والعصيان. وقد قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} إلى قوله: {حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] ، فتوعد من كان أهله وماله، أحب إليه من اللّه ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد. بل قد ثبت عنه في الصحيح، أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن / أحدكم حتى أكون أحب إليه، من ولده، ووالده، والناس أجمعين) ، وفي الصحيح أن عمر ابن الخطاب قال له: يا رسول اللّه!، واللّه لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال: (لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك) . فقال: فواللّه، لأنت أحب إلى من نفسي، فقال: (الآن يا عمر) .

فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب، وبغض ما يبغض، واللّه يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات. فإذا كان العبد قادرًا عليها حصلها. وإن كان عاجزًا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له كأجر الفاعل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) . وقال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم) . قالوا: وهم بالمدينة. قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) .

والجهاد، هو بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق، / ودفع ما يكرهه الحق، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان دليلًا على ضعف محبة اللّه ورسوله في قلبه، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور، لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة، فالمحب للّه ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبين لغير اللّه مما يحتملون في حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبتهم للّه إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت