ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبًا للّه. كما قال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] ، نعم! قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقًا لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل! كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررًا، ولا تحصل لهم مطلوبًا، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل؛ لحصول مطلوبه.
وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبًا للّه إزداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه، والقلب فقير بالذات / إلى اللّه من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلىة، فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يلتذ، ولايسر، ولا يطيب، ولايسكن، ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.
وهذا لا يحصل له إلا بإعانة اللّه له، لايقدر على تحصيل ذلك له إلا اللّه، فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادته للّه بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئًا لذاته إلا اللّه، فمتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة، لا إله إلا اللّه، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة، وكان فيه من النقص والعيب، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك.
ولو سعى في هذا المطلوب، ولم يكن مستعينًا باللّه متوكلًا عليه مفتقرًا إليه في حصوله لم يحصل له، فإنه ما شاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو مفتقر إلى اللّه من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن / حيث هو المسؤول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه.
ولا تتم عبوديته للّه إلا بهذين، فمتى كان يحب غير اللّه، لذاته، أو يلتفت إلى غير اللّه أنه يعينه كان عبدًا لما أحبه، وعبدًا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه إياه. وإذا لم يحب لذاته إلا اللّه، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئًا إلا اللّّه، وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها كان مشاهدًا أن اللّه هو الذي خلقها وقدرها، وأن كل ما في السموات والأرض فاللّه ربه ومليكه وخالقه، وهو مفتقر إليه كان قد حصل له من تمام عبوديته للّه بحسب ما قسم له من ذلك.
والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصى طرفيها إلا اللّه.
فأكمل الخلق، وأفضلهم، وأعلاهم، وأقربهم إلى اللّه، وأقواهم، وأهداهم، أتمهم عبودية للّه من هذا الوجه.
وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه وهو أن يستسلم العبد للّه لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الجنة لايدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما أن / النار لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ، فجعل