الصفحة 367 من 761

أيما أولى: معالجة ما يكره الله من قلبك مثل: الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب، وغير ذلك، مما يختص بالقلب من درنه، وخبثه؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة: من الصلاة والصيام وأنواع القربات: من النوافل والمنذورات مع وجود تلك الأمور في قلبه؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب ـ رحمه الله ـ:

الحمد لله. من ذلك ما هو عليه واجب: وأن للأوجب فضل وزيادة. كما قال تعالى فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه) . ثم قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ملك، والأعضاء جنوده. فإذا خبث الملك خبثت جنوده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) وكذلك أعمال القلب لابد أن تؤثر في عمل الجسد. وإذا كان المقدم هو الأوجب، سواء سمى /باطنًا أو ظاهرًا، فقد يكون ما يسمى باطنًا أوجب مثل ترك الحسد والكبر فإنه أوجب عليه من نوافل الصيام، وقد يكون ما سمى ظاهرًا أفضل: مثل قيام الليل، فإنه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التي تخطر في القلب من جنس الغبطة ونحوها، وكل واحد من عمل الباطن والظاهر يعين الآخر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتورث الخشوع، ونحو ذلك من الآثار العظيمة: هي أفضل الأعمال والصدقة. والله أعلم.

/ وسئل:

هل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (زدني فيك تحيرًا؟) ، وقال بعض العارفين: أول المعرفة الحيرة، وآخرها الحيرة. قيل: من أين تقع الحيرة؟ قيل: من معنيين:

أحدهما: كثرة اختلاف الأحوال عليه. والآخر: شدة الشر، وحذر الإياس. وقال الواسطي: نازلة تنزل بقلوب العارفين بين الإياس والطمع لا تطمعهم في الوصل فيستريحون، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون، وقال بعضهم: متى أصل إلى طريق الراجين، وأنا مقيم في حيرة المتحيرين؟. وقال محمد بن الفضل العارف: كلما انتقل من حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة. وقال: أعرف الناس بالله أشدهم فيه تحيرًا. وقال الجنيد: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة. وقال ذو النون [ذو النون المصري هو: ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي الأخميمي، يكني أبا الفيض، ولد في أواخر أيام المنصور. روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة وغيرهم، وروى عنه أحمد بن صحيح الفيومي، وربيعة بن محمد الطائي وغيرهم، وقلَّ ما روى من الحديث، ولا كان يتقنه. وقال الدارقطني: روى عن مالك أحاديث فيها نظر. وكان واعظًا. قال ابن يونس: كان عالمًا فصيحًا حكيما. توفى في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئتين. [سير أعلام النبلاء: 11/ 532: 536] .: غاية العارفين التحير. وأنشد بعضهم:

قد تحيرت فيك خذ بيدي ** يا دليلا لمن تحير فيه

فبينوا لنا القول في ذلك بيانًا شافيًا؟

/فأجاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت