الحمد لله، هذا الكلام المذكور: (زدني فيك تحيرًا) من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث وإنما يرويه جاهل أو ملحد، فإن هذا الكلام يقتضي أنه كان حائرا، وأنه سأل الزيادة في الحيرة، وكلاهما باطل، فإن الله هداه بما أوحاه إليه وعلمه ما لم يكن يعلم، وأمره بسؤال الزيادة من العلم بقوله: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] وهذا يقتضي أنه كان عالمًا، وأنه أمر بطلب المزيد من العلم، ولذلك أمر هو والمؤمنون بطلب الهداية في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ، وقد قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، فمن يهدي الخلق كيف يكون حائرًا؟ والله قد ذم الحيرة في القرآن في قوله: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ} [الأنعام: 71] .
وفي الجملة، فالحيرة من جنس الجهل والضلال، ومحمد صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق علمًا بالله وبأمره، وأكمل الخلق اهتداء في نفسه، وهديا لغيره، وأبعد الخلق عن الجهل والضلال. قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 1 - 3] ، وقال تعالى: / {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] ، وقال تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا} إلى قوله: {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] فالله قد هدى المؤمنين به، وقال تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] فقد كفل الله لمن آمن به أن يجعل له نورًا يمشي به. كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: 122] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، ومثل هذا كثير في القرآن والحديث.
ولم يمدح الحيرة أحد من أهل العلم والإيمان، ولكن مدحها طائفة من الملاحدة: كصاحب [الفصوص] ابن عربي وأمثاله من الملاحدة، الذين هم حيارى، فمدحوا الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة، وادعوا أنهم أكمل الخلق، وأن خاتم الأولياء منهم يكون أفضل في العلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله منهم، وكانوا في /ذلك. كما يقال فيمن قال: [فخر عليهم السقف من تحتهم] لا عقل ولا قرآن، فإن الأنبياء أقدم، فكيف يستفيد المتقدم من المتأخر، وهم عند المسلمين واليهود والنصارى ليسوا أفضل من الأنبياء، فخرج هؤلاء عن العقل والدين: دين المسلمين واليهود والنصارى. وهؤلاء قد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع.
ولهم في: [وحدة الوجود والحلول والاتحاد] كلام من شر كلام أهل الإلحاد، وأما غير هؤلاء من الشيوخ الذين يذكرون الحيرة: فإن كان الرجل منهم يخبر عن حيرته، فهذا لايقتضي مدح الحيرة، بل الحائر مأمور بطلب الهدى، كما نقل عن