الإمام أحمد أنه علم رجلا أن يدعو يقول: يا دليل الحائرين دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.
فأما الذي قال: أول المعرفة الحيرة، وآخرها الحيرة، فقد يريد بذلك معنى صحيحًا مثل أن يريد: أن الطالب السالك يكون حائرًا قبل حصول المعرفة والهدى، فإن كل طالب للعلم والهدى هو قبل حصول مطلوبه في نوع من الحيرة، وقوله: آخرها الحيرة، قد يراد به أنه لا يزال طالب الهدى والعلم، فهو بالنسبة إلى ما لم يصل إليه حائر، وليس في ذلك مدح الحيرة، ولكن يراد به أنه لابد أن يعترى الإنسان نوع من الحيرة التي يحتاج معها إلى العلم والهدى.
/وقوله: والحيرة من معنيين:
أحدهما: كثرة اختلاف الأحوال. والآخر: شدة الشر، وحذر الإياس، إخبار عن سلوك معين، فإنه ليس كل سالك يعتريه هذا، ولكن من السالكين من تختلف عليه الأحوال، حتى لا يدري ما يقبل وما يرد وما يفعل وما يترك، والواجب على من كان كذلك دوام الدعاء لله سبحانه وتعالى، والتضرع إليه والاستهداء بالكتاب والسنة.
وكذلك بشدة الشر وحذر الإياس، فإن في السالكين من يبتلى بأمور من المخالفات يخاف معها أن يصير إلى اليأس من رحمة الله، لقوة خوفه وكثرة المخالفة عند نفسه، ومثل هذا ينبغي أن يعلم سعة رحمة الله، وقبول التوبة من عباده وفرحه بذلك.
وقول الآخر: نازلة تنزل بقلوب العارفين بين اليأس والطمع، فلا تطمعهم في الوصول فيستريحوا، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحوا، فيقال: هذا أيضًا حال عارض لبعض السالكين، ليس هذا أمرًا لازمًا لكل من سلك طريق الله، ولا هو أيضًا غاية محمودة ولكن بعض السالكين يعرض له هذا. كما يذكر عن الشبلي [الشِّبْليُّ: قيل: اسمه دلف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس، شيخ الطائفة، أبو بكر، الشبلي البغدادي. أصله من الشبلية قرية. ومولده بسامراء. كان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك، وكتب الحديث عن طائفة. وقال الشعر، وله ألفاظ وحكم وحال وتمكن، لكنه كان يحصل له جفاف دماغ وسكر. فيقول أشياء يعتذر عنه. توفى ببغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. عن نيف وثمانين سنة. [سير أعلام النبلاء 51/ 367: 369] ، أنه كان ينشد في هذا المعنى:
/أظلت علينا منك يومًا سحابة ** أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها
فلا غيمها يجلو فييأس طامع ** ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها
وصاحب هذا الكلام إلى أن يعفو الله عنه ويغفر له مثل هذا الكلام أحوج منه إلى أن يمدح عليه أو يقتدى به فيه، ومثل هذا كثير قد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع، لما تكلمنا على ما يعرض لطائفة من كلام فيه معاتبة لجانب الربوبية، وإقامة حجة عليه بالمجنون المتحير، وإقامة عذر المحب، وأمور تشبه هذا، قد تحيز من قال بموجبها إلى الكفر والإلحاد، إذ الواجب الإقرار لله بفضله وجوده وإحسانه، وللنفس بالتقصير والذنب. كما في الحديث الصحيح: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر