لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح موقنًا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة).
وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يقول الله تعالى: يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه) . وفي الحديث الصحيح: / (يقول الله: من تقرب إليَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعَا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) وفي الحديث الصحيح: (أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني) وقد ثبت: أن الله تعالى كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وقد ثبت من حكمته ورحمته وعدله ما يبهر العقول؛ لأن هذه المسألة تتعلق بأصول كبار من مسائل [القدر] و [الأمر] و [الوعد] و [الوعيد] و [الأسماء والصفات] قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: الكلام على ما ذكر عن هؤلاء الشيوخ، فقول القائل: لا تطمعهم في الوصول فيستريحوا، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحوا. هي حال عارض لشخص قد تعلقت همته بمطلوب معين وهو يتردد فيه بين اليأس والطمع، وهذا حال مذموم، لأن العبد لا ينبغي له أن يقترح على الله شيئًا معينًا، بل تكون همته فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. فمتى أعين على هذه الثلاثة جاء بعد ذلك من المطالب: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولو تعلقت همته بمطلوب فدعا الله به فإن الله يعطيه إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها.
ولفظ [الوصول] لفظ مجمل؛ فإنه ما من سالك إلا وله غاية /يصل إليها. وإذا قيل: وصل إلى الله، أو إلى توحيده أو معرفته أو نحو ذلك، ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
ويأس الإنسان أن يصل إلى ما يحبه الله ويرضاه من معرفته وتوحيده كبيرة من الكبائر، بل عليه أن يرجو ذلك ويطمع فيه. لكن من رجا شيئًا طلبه، ومن خاف من شىء هرب منه، وإذا اجتهد واستعان بالله تعالى ولازم الاستغفار والاجتهاد فلا بد أن يؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال، وإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ولا يحصل له حلاوة الإيمان ونور الهداية فليكثر التوبة والاستغفار وليلازم الاجتهاد بحسب الإمكان، فإن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] وعليه بإقامة الفرائض ظاهرًا وباطنًا، ولزوم الصراط المستقيم مستعينًا بالله، متبرئًا من الحول والقوة إلا به.
ففي الجملة ليس لأحد أن ييأس، بل عليه أن يرجو رحمة الله كما أنه ليس له ألا ييأس، بل عليه أن يخاف عذابه. قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] . قال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو /حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد.
وأما قول القائل: متى أصل إلى طريق الراجين؟ وأنا مقيم في حيرة المتحيرين؛ فهذا إخبار منه عن حال مذموم هو فيها، كما يخبر الرجل عن نقص إيمانه،