الصفحة 371 من 761

وضعف عرفانه، وريب في يقينه، وليس مثل هذا مما يطلب، بل هو مما يستعاذ بالله منه.

وأما قول محمد بن الفضل: أنه قال: العارف كلما انتقل من حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة. فهذا قد يراد به أنه كلما انتقل إلى مقام من المعرفة واليقين حصل له تشوق إلى مقام لم يصل إليه من المعرفة، فهو حائر بالنسبة إلى ما لم يصل إليه دون ما وصل إليه.

وقوله: أعرف الناس بالله أشدهم فيه تحيرًا، أي أطلبهم لزيادة العلم والمعرفة؛ فإن كثرة علمه ومعرفته توجب له الشعور بأمور لم يعرفها بعد، بل هو حائر فيها طالب لمعرفتها والعلم بها، ولا ريب أن أعلم الخلق بالله قد قال: (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) والخلق ما أتوا من العلم إلا قليلًا.

وما نقل عن [الجنيد] أنه قال: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة؛/فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر، هل قاله؟! ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود، فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه، لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم، فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله.

لكن إذا قيل: إن أهل المعرفة مهما حصلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح. كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو حاتم في صحيحه: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي) قال: (من قال هذا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحًا) فقد أخبر أن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده وهذه لا يعلمها ملك ولا بشر.

فإذا أراد المريد أن عقول العقلاء لم تصل إلى معرفة مثل هذه الأمور فهذا صحيح، وأما إذا أراد أن العقلاء ليس عندهم علم ولا يقين بل حيرة وريب، فهذا باطل قطعًا.

وما ذكر عن [ذي النون] في هذا الباب، مع أن ذا النون قد وقع منه كلام أنكر عليه، وعزره الحارث بن مسكين، وطلبه /المتوكل إلى بغداد واتهم بالزندقة، وجعله الناس من الفلاسفة، فما أدري هل قال هذا أم لا؟ بخلاف الجنيد فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه، وإن كان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثم معصوم من الخطأ غير الرسول، لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة من العقل والدين. وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة، والله أعلم.

فصل

وأما قول القائل لمن أنكر عليه: أنت شرعي، فكلام صحيح، فإن أراد بذلك أن الشرع لا يتبعه، أو لا يجب عليه اتباعه، وأنا خارج عن اتباعه، فلفظ الشرع قد صار له في عرف الناس (ثلاث معان) : الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل.

/فأما الشرع المنزل: فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة، وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه، وأفضل أولياء الله أكملهم اتباعًا له، ومن لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت