وأعظم سماع في الصلوات سماع الفجر الذي قال الله فيه: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ، وقال عبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنه ـ يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ** إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ** إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ** به موقنات أن ما قال واقع
وهو مستحب لهم خارج الصلوات، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه خرج على أهل الصفة وفيهم واحد يقرأ وهم / يستمعون، فجلس معهم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ والباقون يستمعون.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى وهو يقرأ: فجعل يستمع لقراءته، وقال: (لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير داود) ، وقال: (يا أبا موسى، لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك) فقال: لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرًا. أي: حسنته لك تحسينًا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ، (زينوا القرآن بأصواتكم) وقال: (لله أشد أذنا للرجل حسن الصوت، من صاحب القينة إلى قينته) وقوله: (ما أذن الله أذنا) أي سمع سمعًا، ومنه قوله: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 2] أي سمعت، والآثار في هذا كثيرة.
وهذا سماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية، والأحوال الزكية يطول شرحها، ووصفها. وله في الجسد آثار محمودة. من خشوع القلب، ودموع العين، واقشعرار الجلد، وقد ذكر الله هذه الثلاثة في القرآن. وكانت موجودة في أصحاب رسول الله /صلى الله عليه وسلم الذين أثنى عليهم في القرآن، ووجد بعدهم في التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب، والاختلاج، والإغماء أو الموت، والهيام؛ فأنكر بعض السلف ذلك إما لبدعتهم، وإما لحبهم.
وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك، فإن السبب إذا لم يكن محظورًا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورًا. لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم، وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم كانوا مذمومين، كما ذم الله الذين قال فيهم: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِك} [البقرة: 74] ، وقال: {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] ، ولو أثر فيهم آثارا محمودة لم يجذبهم عن حد العقل. لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضًا ومعذورين.
فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد، نظير الغبار، وإما بالتصفيق، ونحو ذلك. فهو السماع المحدث في الإسلام، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خير القرون: القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ.