/وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن.
وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: هو محدث أكرهه، قيل له: إنه يرق عليه القلب، فقال: لا تجلسوا معهم. قيل له: أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله، فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة، لا في الحجاز، ولا في الشام، ولا في اليمن، ولا في مصر، ولا في العراق، ولا خراسان، ولو كان للمسلمين به منفعة في دينهم لفعله السلف.
ولم يحضره مثل: إبراهيم بن أدهم، ولا الفضيل بن عياض، ولا معروف الكرخي، ولا السري السقطي، ولا أبو سليمان الداراني، ولا مثل الشيخ عبد القادر، والشيخ عدي، والشيخ أبي البيان، ولا الشيخ حياة، وغيرهم، بل في كلام طائفة من هؤلاء ـ كالشيخ عبد القادر وغيره ـ النهي عنه. وكذلك أعيان المشائخ.
وقد حضره من المشائخ طائفة، وشرطوا له المكان، والإمكان، والخلان، والشيخ الذي يحرس من الشيطان. وأكثر الذين حضروه من المشائخ الموثوق بهم رجعوا عنه في آخر عمرهم. كالجنيد فإنه حضره وهو شاب، وتركهم في آخر عمره، وكان يقول: من تكلف السماع / فتن به، ومن صادفه السماع استراح به. فقد ذم من يجتمع له، ورخص فيمن يصادفه من غير قصد. ولا اعتماد للجلوس له.
وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل. فإن الأبيات المتضمنة لذكر الحب، والوصل والهجر، والقطيعة، والشوق، والتتيم، والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك، هو قول مجمل، يشترك فيه محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الإخوان، ومحب الأوطان، ومحب النسوان، ومحب المردان. فقد يكون فيه منفعة إذا هيج القاطن، وأثار الساكن، وكان ذلك مما يحبه الله ورسوله. لكن فيه مضرة راجحة على منفعته: كما في الخمر والميسر، فإن فيهما إثم كبير، ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما.
فلهذا لم تأت به الشريعة، لم تأت إلا بالمصلحة الخالصة أو الراجحة.
وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته، فهو بمنزلة من يأخذ درهما بدينار، أو يسرق خمسة دراهم، ويتصدق منها بدرهمين.
وذلك أنه يهيج الوجد المشترك، فيثير من النفس كوامن تضره آثارها، ويغذي النفس ويفتنها، فتعتاض به عن سماع القرآن، حتى لا يبقى فيها محبة لسماع القرآن ولا التذاذ به، ولا استطابة له، بل / يبقى في النفس بغض لذلك، واشتغال عنه، كمن شغل نفسه بتعلم التوراة والإنجيل، وعلوم أهل الكتاب، والصابئين واستفادته العلم والحكمة منها، فأعرض بذلك عن كتاب الله وسنة رسوله، إلى أشياء أخرى تطول.
فلما كان هذا السماع لا يعطي بنفسه ما يحبه الله ورسوله من الأحوال والمعارف، بل قد يصد عن ذلك، و يعطي مالا يحبه الله ورسوله، أو ما يبغضه الله ورسوله، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا سلف الأمة ولا أعيان مشائخها.
ومن نكته أن الصوت يؤثر في النفس بحسنه: فتارة يفرح، وتارة يحزن، وتارة يغضب، وتارة يرضى، وإذا قوى أسكر الروح فتصير في لذة مطربة من غير تمييز. كما يحصل للنفس إذا سكرت بالرقص، وللجسد أيضًا إذا سكر بالطعام والشراب،