خفي عن المعرفة، كما يبهر ضوء الشمس [عيون] الخفافيش بالنهار. فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل، المؤيدين بنور الهدى، وبراهين الإيمان، أصحاب البصائر في الشبهات والشهوات، الفارقين بين الواردات الرحمانية والشيطانية العالمين العاملين {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة 22] . وقال: التوبة من أعظم الحسنات، والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر الحسنات، وبابه واسع؛ فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص. وكذلك إذا وجد العبد تقصيرًا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان، فعليه بالدعاء لهم والاستغفار. قال حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي لسانًا ذربًا على أهلي. فقال له: (أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) .
فصل
فهذان المتنازعان اللذان تنازعا في الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فقال أحدهما: إنها قديمة وليس لها مبتدأ، وشكلها ونقطها محدث. وقال الآخر: إنها ليست بكلام الله، وأنها مخلوقة بشكلها ونقطها، وأن القديم هو الله، وكلامه منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، ولكنه كتب بها. وسؤالهما أن نبين لهما الصواب وأيهما أصح اعتقادًا، يقال لهما:
يحتاج بيان الصواب إلى بيان ما في السؤال من الكلام المجمل، / فإن كثيرًا من نزاع العقلاء لكونهم لا يتصورون مورد النزاع تصورًا بينا، وكثير من النزاع قد يكون الصواب فيه في قول آخر غير القولين اللذين قالاهما، وكثير من النزاع قد يكون مبنيًا على أصل ضعيف إذا بين فساده ارتفع النزاع.
فأول ما في هذا السؤال قولهما: الأحرف التي أنزلها الله على آدم، فإنه قد ذكر بعضهم أن الله أنزل عليه حروف المعجم مفرقة مكتوبة، وهذا ذكره ابن قتيبة في [المعارف] ، وهو ومثله يوجد في التواريخ كتاريخ ابن جرير الطبري ونحوه، وهذا ونحوه منقول عمن ينقل الأحاديث الإسرائيلية ونحوها من أحاديث الأنبياء المتقدمين، مثل وهب بن مُنَبِّه وكعب الأحبار، ومالك بن دينار، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.
وقد أجمع المسلمون على أن ما ينقله هؤلاء عن الأنبياء المتقدمين لا يجوز أن يجعل عمدة في دين المسلمين، إلا إذا ثبت ذلك بنقل متواتر، أو أن يكون منقولا عن خاتم المرسلين، وأيضا فهذا النقل قد عارضه نقل آخر وهو: (إن أول من خط وخاط إدريس) . فهذا منقول عن بعض السلف وهو مثل ذلك وأقوى، فقد ذكروا فيه أن إدريس أول من خاط الثياب، وخط بالقلم، وعلى هذا فبنو آدم من قبل إدريس لم يكونوا يكتبون بالقلم ولا يقرءون كتبًا. والذي في حديث أبي ذر المعروف، عن أبي ذر، عن / النبي صلى الله عليه وسلم: (إن آدم كان نبيا مُكَلَّمًا كَلَّمه الله قُبُلا) وليس فيه أنه أنزل عليه شيئًا مكتوبًا، فليس فيه أن الله أنزل على آدم صحيفة ولا كتابا، ولا هذا معروف عند أهل الكتاب، فهذا يدل على أن هذا لا أصل له، ولو كان هذا معروفًا عند أهل الكتاب لكان هذا النقل ليس هو في القرآن، ولا في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله