الصفحة 389 من 761

الرسل وخليل الرحمن، لكان قد تكلم بمحمد وإبراهيم الذي في القرآن، لكن قد تكلم بالاسم وألفه كلاما، فهو كلامه لم يتكلم به في القرآن العربي الذي تكلم الله به.

ومما يوضح ذلك أن الفقهاء قالوا في [آداب الخلاء] : إنه لا يستصحب ما فيه ذكر الله، واحتجوا بالحديث الذي في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه. وكان خاتمه مكتوبًا عليه: [محمد رسول الله] محمد سطر، رسول سطر، الله سطر. ولم يمنع أحد من العلماء أن يستصحب ما يكون فيه كلام العباد وحروف الهجاء مثل ورق الحساب الذي يكتب فيه أهل الديوان الحساب، ومثل الأوراق التي يكتب فيها الباعة ما يبيعونه ونحو ذلك.

وفي السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح غطفان على نصف تمر المدينة، أتاه سعد فقال له: أهذا شيء أمر الله به فَسَمْعًا وطاعة، أم شيء تفعله لمصلحتنا؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك بوحي، بل فعله باجتهاده، فقال: لقد كنا في الجاهلية / وما كانوا يأكلون منها تمرة إلا بِقِرًى [أي: بضيافة الضيف] . أو بشراء، فلما أعزنا الله بالإسلام يريدون أن يأكلوا تمرنا! لا يأكلون تمرة واحدة، وبَصَق سعد في الصحيفة وقطعها. فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم يقل هذه حروف، فلا يجوز إهانتها والبصاق فيها، وأيضًا، فقد كره السلف مَحْوَ القرآن بالرجل ولم يكرهوا محو ما فيه كلام الآدميين.

وأما قول القائل: إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة، فإن أراد جنسها فهذا صحيح، وإن أراد الحرف المعين فقد أخطأ؛ فإن له مبدأ ومنتهى، وهومسبوق بغيره، وما كان كذلك لم يكن إلا محدثًا.

وأيضا، فلفظ الحروف مجمل، يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التي هي مباني الكلام، ويراد بها الحروف المكتوبة، ويراد بها الحروف المتخيلة في النفس، والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس، وأما الحروف فهل تكون كلاما بدون الصوت؟ فيه نزاع. والحرف قد يراد به الصوت المقطع، وقد يراد به نهاية الصوت وحده، وقد يراد بالحروف المداد، وقد يراد بالحروف شكل المداد، فالحروف التي تكلم الله بها غير مخلوقة، وإذا كتبت في المصحف قيل كلام الله المكتوب في المصحف غير مخلوق، وأما نفس أصوات العباد فمخلوقة، والمداد مخلوق وشكل المداد مخلوق، فالمداد مخلوق بمادته وصورته، وكلام الله المكتوب بالمداد غير مخلوق. ومن كلام الله / الحروف التي تكلم الله بها. فإذا كتبت بالمداد لم تكن مخلوقة وكان المداد مخلوقًا، وأشكال الحروف المكتوبة مما يختلف فيها اصطلاح الأمم.

والخط العربي قد قيل: إن مبدأه كان من الأنبار، ومنها انتقل إلى مكة وغيرها، والخط العربي تختلف صورته؛ العربي القديم فيه تكوف، وقد اصطلح المتأخرون على تغيير بعض صوره، وأهل المغرب لهم اصطلاح ثالث حتى في نقط الحروف وترتيبها، وكلام الله المكتوب بهذه الخطوط ـ كالقرآن العربي ـ هو في نفسه لا يختلف باختلاف الخطوط التي يكتب بها.

فإن قيل: فالحرف من حيث هو مخلوق أو غير مخلوق مع قطع النظر عن كونه في كلام الخالق أو كلام المخلوق؟ فإن قلتم: هو من حيث هو غير مخلوق، لزم أن يكون غير مخلوق في كلام العباد، وإن قلتم: مخلوق لزم أن يكون مخلوقًا في كلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت