الصفحة 390 من 761

الله؟ قيل: قول القائل الحرف من حيث هو هو كقوله الكلام من حيث هو هو، والعلم من حيث هو هو، والقدرة من حيث هي هي، والوجود من حيث هو هو، ونحو ذلك.

والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور وغيرها إذا أخذت مجردة مطلقة غير مقيدة ولا مشخصة لم يكن لها حقيقة في الخارج عن الأذهان / إلا شيء معين، فليس ثم وجود إلا وجود الخالق أو وجود المخلوق، ووجود كل مخلوق مختص به وإن كان اسم الوجود عاما يتناول ذلك كله، وكذلك العلم والقدرة اسم عام يتناول أفراد ذلك، وليس في الخارج إلا علم الخالق وعلم المخلوق، وعلم كل مخلوق مختص به قائم به، واسم الكلام والحروف يعم كل ما يتناوله لفظ الكلام والحروف وليس في الخارج إلا كلام الخالق وكلام المخلوقين. وكلام كل مخلوق مختص به واسم الكلام يعم كل ما يتناوله هذا اللفظ، وليس في الخارج إلا الحروف التي تكلم الله بها الموجودة في كلام الخالق، والحروف الموجودة في كلام المخلوقين. فإذا قيل: إن علم الرب وقدرته وكلامه غير مخلوق، وحروف كلامه غير مخلوقة، لم يلزم من ذلك أن يكون علم العبد وقدرته وكلامه غير مخلوق، وحروف كلامه غير مخلوقة.

وأيضًا، فلفظ [الحرف] يتناول الحرف المنطوق والحرف المكتوب، وإذا قيل: إن الله تكلم بالحروف المنطوقة كما تكلم بالقرآن العربي وبقوله: {الم ـ وحم ـ وطسم ـ وطس ـ ويس ـ وق ـ ون} ونحو ذلك، فهذا كلامه وكلامه غير مخلوق، وإذا كتب في المصاحف كان ما كتب من كلام الرب غير مخلوق وإن كان المداد وشكله مخلوقًا.

وأيضا، فإذا قرأ الناس كلام الله، فالكلام في نفسه غير مخلوق إذا كان الله قد تكلم به، وإذا قرأه المبلغ لم يخرج عن أن يكون / كلام الله؛ فإن الكلام كلام من قاله مبتدئًا أمرًا يأمر به، أو خبرًا يخبره، ليس هو كلام المبلغ له عن غيره؛ إذ ليس علي الرسول إلا البلاغ المبين. وإذا قرأه المبلغ فقد يشار إليه من حيث هو كلام الله، فيقال: هذا كلام الله، مع قطع النظر عما بلغه به العباد من صفاتهم، وقد يشار إلى نفس صفة العبد كحركته وحياته، وقد يشار إليهما، فالمشار إليه الأول غير مخلوق، والمشار إليه الثاني مخلوق، والمشار إليه الثالث فمنه مخلوق ومنه غير مخلوق، وما يوجد في كلام الآدميين من نظير هذا هو نظير صفة العبد لا نظير صفة الرب أبدًا.

وإذا قال القائل: القاف في قوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] كالقاف في قوله: قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل**

قيل: ما تكلم الله به وسمع منه لا يماثل صفة المخلوقين، ولكن إذا بلغنا كلام الله، فإنما بلغناه بصفاتنا وصفاتنا مخلوقة، والمخلوق يماثل المخلوق.

وفي هذا جواب للطائفتين؛ لمن قاس صفة المخلوق بصفة الخالق فجعلها غير مخلوقة، فإن الجهمية المعطلة أشباه اليهود، والحلولية الممثلة / أشباه النصارى، دخلوا في هذا وهذا، أولئك مثلوا الخالق بالمخلوق فوصفوه بالنقائص التي تختص بالمخلوق؛ كالفقر والبخل، وهؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق فوصفوه بخصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله، والمسلمون يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له ما يستحقه من صفات الكمال، وينزهونه عن الأكفاء والأمثال، فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت