يعطلون الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات؛ فإن المعطل يعبد عَدَمًا، والممثل يعبد صَنَمًا، والله ـ تعالى ـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] .
ومما ينبغي أن يعرف: أن كلام المتكلم في نفسه واحد، وإذا بلغه المبلغون تختلف أصواتهم به، فإذا أنشد المنشد قول لَبِيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
كان هذا الكلام كلام لبيد، لفظه ومعناه، مع أن أصوات المنشدين له تختلف، وتلك الأصوات ليست صوت لبيد، وكذلك من روى حديث النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه، كقوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نَوَى) كان هذا الكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظه ومعناه، ويقال لمن رواه: أدى الحديث بلفظه، /وإن كان صوت المبلغ ليس هو صوت الرسول، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، لفظه ومعناه، وإذا قرأه القراء فإنما يقرؤونه بأصواتهم.
ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال: اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جَهْمِيٌّ، ومن قال: إنه غير مخلوق فهو مبتدع. وفي بعض الروايات عنه: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق ـ يعني به القرآن ـ فهو جهمي؛ لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق، ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال: إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وأن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول.
وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد، ولم يقل أحمد قط: من قال: إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال: من قال: لفظي بالقرآن، والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلِّغ له فرق واضح، فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما بلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير، و نفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات / العباد، وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد، ويراد به نفس الكلام الذي يقرأه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات، الذي يقتضى جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق.
وقال أحمد: نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، أي حيث تلى وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه، وكلامه غير مخلوق، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرءون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق، ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار؛ فإنه معلوم أن القرآن واحدٌ ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرءون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد إلى الناس، وأنذر به الأمم؛ لقوله تعالى: {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق.