الصفحة 392 من 761

وليس هذا من باب ما هو واحد بالنوع متعدد الأعيان، كالإنسانية الموجودة في زيد وعمرو، ولا من باب ما يقول الإنسان مثل قول غيره، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118] ، فإن / القرآن لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، كما قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ، فالإنس والجن إذا اجتمعوا لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مع قدرة كل قارئ على أن يقرأه ويبلغه.

فعلم أن ما قرأه هو القرآن ليس هو مثل القرآن، وأما الحروف الموجودة في القرآن إذا وجد نظيرها في كلام غيره، فليس هذا هو ذاك بعينه، بل هو نظيره، وإذا تكلم الله باسم من الأسماء؛ كآدم ونوح وإبراهيم، وتكلم بتلك الحروف والأسماء التي تكلم الله بها، فإذا قرئت في كلامه فقد بلغ كلامه، فإذا أنشأ الإنسان لنفسه كلامًا لم يكن عين ما تكلم الله به من الحروف والأسماء هو عين ما تكلم به العبد حتى يقال: إن هذه الأسماء والحروف الموجودة في كلام العباد غير مخلوقة؛ فإن بعض من قال: إن الحروف والأسماء غير مخلوقة في كلام العباد ادعى أن المخلوق إنما هو النظم والتأليف دون المفردات، وقائل هذا يلزمه أن يكون ـ أيضًا ـ النظم والتأليف غير مخلوق إذا وجد نظيره في القرآن كقوله: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] وإن أراد بذلك شخصًا اسمه يحيى وكتابًا بحضرته.

فإن قيل: يحيى هذا والكتاب الحاضر ليس هو يحيى والكتاب المذكور في القرآن، وإن كان اللفظ نظير اللفظ. قيل: كذلك / سائر الأسماء والحروف إنما يوجد نظيرها في كلام العباد لا في كلام الله، وقولنا: [يوجد نظيرها في كلام الله] تقريب، أي يوجد فيما نقرؤه ونتلوه؛ فإن الصوت المسموع من لفظ محمد ويحيى وإبراهيم في القرآن هو مثل الصوت المسموع من ذلك في غير القرآن، وكلا الصوتين مخلوق.

وأما الصوت الذي يتكلم الله به فلا مثل له لا يماثل صفات المخلوقين، وكلام الله هو كلامه بنظمه ونثره ومعانيه، وذلك الكلام ليس مثل كلام المخلوقين، فإذا قلنا: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] وقصد بذلك قراءة القرآن الذي تكلم الله به فذلك القرآن تكلم الله بلفظه ومعناه، لا يماثل لفظ المخلوقين ومعناهم، وأما إذا قصدنا به الذكر ابتداء من غير أن نقصد قراءة كلام الله فإنما نقصد ذكرًا ننشئه نحن يقوم معناه بقلوبنا، وننطق بلفظه بألسنتنا، وما أنشأناه من الذكر فليس هو من القرآن، وإن كان نظيره في القرآن.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات أفضل الكلام بعد القرآن. فجعل درجتها دون درجة القرآن، وهذا يقتضى أنها ليست من القرآن. ثم قال: (هي من القرآن) ، وكلا قوليه حق وصواب؛ ولهذا منع أحمد أن يقال: الإيمان مخلوق. / وقال: لا إله إلا الله من القرآن. وهذا الكلام لا يجوز أن يقال: إنه مخلوق وإن لم يكن من القرآن، ولا يقال في التوراة والإنجيل: إنهما مخلوقان، ولا يقال في الأحاديث الإلهية التي يرويها عن ربه: إنها مخلوقة، كقوله: (ياعبادي، إني حَرَّمْتُ الظلم على نفسي وجعلته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت