المكانى؛ ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان، مع أن المكان من تمام الحج والعمرة.
وذكر المُحْصَر، وذكر تقديم الإحلال المتعلق بالمال وهو الهدى عن الإحلال المتعلق بالنفس وهو الحلق، وإن المتحلل يخرج من إحرامه فيحل بالأسهل فالأسهل؛ ولهذا كان آخر ما يحل عين الوطء [فى المطبوعة: الوطئ ـ والصواب ما أثبتناه] ، فإنه أعظم المحظورات ولا يفسد النسك بمحظور سواه.
وذكر (التمتع بالعمرة إلى الحج) لتعلقه بالزمان مع المكان؛ فإنه لا يكون متمتعًا حتى يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وحتى لا يكون أهله حاضرى المسجد الحرام ـ وهو الأفقى ـ فإنه الذى يظهر التمتع في حقه لترفهه بسقوط أحد السفرين عنه، أما الذي هو حاضر فسيان عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج، ثم ذكر وقت الحج، وأنه أشهر معلومات، وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة؛ فإنه هذا مختص بزمان ومكان؛ ولهذا قال: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] ، ولم يقل: (والعمرة) لأنها تفرض في كل وقت، ولا ريب أن السنة فرض الحج في أشهره، ومن فرض قبله خالف السنة، فإما أن يلزمه ما التزمه كالنذر ـ إذ ليس فيه نقد للمشروع، وليس كمن صلى قبل الوقت ـ وإما أن يلزم الإحرام ويسقط الحج ويكون معتمرًا، وهذان قولان مشهوران.
ثم أمر عند قضاء المناسك بذكره، وقضائها ـ والله أعلم ـ قضاء التَّفَث [التَّفَث: قيل: الشَّعَث وما كان من نحو قص الأظفار والشارب وحلق العانة وغير ذلك. انظر: القاموس المحيط، مادة: تفث] ، والإحلال؛ ولهذا قال بعد ذلك: {وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] ، وهذا أيضًا من العبادات الزمانية المكانية. وهو ذكر الله تعالى مع رمى الجمار ومع الصلوات، ودل على أنه مكانى قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} الآية [البقرة: 203] ، وإنما يكون التعجيل والتأخير في الخروج من المكان؛ ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال: أيام مِنى، وإلى عملها فيقال: أيام التشريق، كما يقال: ليلة جَمْع [أى مِنى] ، وليلة مزدلفة، ويوم عرفة، ويوم الحج الأكبر، ويوم العيد، ويوم الجمعة، فتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال؛ إذ الزمان تابع للحركة، والحركة تابعة للمكان.
فتدبر تناسب القرآن وارتباط بعضه ببعض، وكيف ذكر أحكام الحج فيها في موضعين، مع ذكر بيته وما يتعلق بمكانه، وموضع ذكر فيه الأهلة فذكر ما يتعلق بزمانه، وذكر أيضًا القتال في المسجد الحرام والمقاصة في الشهر الحرام؛ لأن ذلك مما يتعلق بالزمان المتعلق بالمكان؛ ولهذا قرن ـ سبحانه ـ ذكر كون الأهلة مواقيت للناس والحج.
وذكر أن (البر) ليس أن يشقى الرجل نفسه، ويفعل ما لا فائدة فيه، من كونه يبرز للسماء، فلا يستظل بسقف بيته، حتى إذا أراد دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره، فأخبر أن الهلال الذى جعل ميقاتًا للحج شرع مثل هذا، وإنما تضمن شرع التقوى، ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحكام النكاح والوالدات، وما يتعلق بالأموال والصدقات والربا والديون وغير ذلك، ثم ختمها بالدعاء العظيم المتضمن وضع الآصار والأغلال والعفو والمغفرة والرحمة وطلب النصر على القوم الكافرين الذين هم أعداء ما شرعه من الدين في كتابه المبين.