الصفحة 406 من 761

والحمد لله رب العالمين.

فصل

لما ذكر ـ سبحانه ـ ما يبطل الصدقة من المن والأذى ومن الرياء، ومثله بالتراب على الصَّفْوان [أى الحجارة الملس. انظر: المصباح المنير، مادة: صفو] إذا أصابه المطر؛ ولهذا قال: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة: 264] ،لأن الإيمان بأحدهما لا ينفع هنا، بخلاف قوله في النساء: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} إلى قوله: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 36 - 38] .

فإنه في معرض الذم، فذكر غايته وذكر ما يقابله وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم.

فالأول الإخلاص.

والتثبيت: هو التثبت كقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] ، كقوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ، ويشبه ـ والله أعلم ـ أن يكون هذا من باب قدم وتقدم كقوله: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] فتبتل وتثبت لازم بمعنى ثبت. . . [هنا كلمات غير متضحة] لأن التثبت هو القوة والمكنة، وضده الزلزلة والرَّجْفَة، فإن الصدقة من جنس القتال، فالجبان يرجف، والشجاع يثبت؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (وأما الخيلاء التى يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند الحرب، واختياله بنفسه عند الصدقة) لأنه مقام ثبات وقوة، فالخيلاء تناسبه، وإنما الذى لا يحبه الله المختال الفخور البخيل الآمر بالبخل، فأما المختال مع العطاء أو القتال فيحبه.

وقوله: {من أنفسهم} أى: ليس المقوى له من خارج كالذى يثبت وقت الحرب لإمساك أصحابه له، وهذا كقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] ، بل تثبته ومغفرته من جهة نفسه.

وقد ذكر الله ـ سبحانه ـ في البقرة والنساء الأقسام الأربعة في العطاء.

إما ألا يعطى فهو البخيل المذموم في النساء، أو يعطى مع الكراهة والمن والأذى، فلا يكون بتثبيت وهو المذموم في البقرة، أو مع الرياء فهو المذموم في السورتين، فبقى القسم الرابع: ابتغاء رضوان اللّه وتثبيتًا من أنفسهم.

ونظيره الصلاة؛ إما ألا يصلى، أو يصلى رياء أو كسلان، أو يصلى مخلصًا، والأقسام الثلاثة الأُول مذمومة. وكذلك الزكاة، ونظير ذلك الهجرة والجهاد؛ فإن الناس فيهما أربعة أقسام، وكذلك {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] فى الثبات والذكر، وكذلك {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] فى الصبر والمرحمة أربعة أقسام، وكذلك {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 45] فهم. . . [هنا كلمات غير متضحة] فى الصبر والصلاة.

فعامة هذه الأشفاع التى في القرآن: إما عملان، و إما وصفان في عمل؛ انقسم الناس فيها قسمة رباعية، ثم إن كانا عملين منفصلين كالصلاة والصبر، والصلاة والزكاة ونحو ذلك نفع أحدهما ولو ترك الآخر، وإن كانا شرطين في عمل كالإخلاص والتثبت لم ينفع أحدهما، فإن المن والأذى محبط، كما أن الرياء محبط، كما دل عليه القرآن، ومن هذا تقوى اللّه وحسن الخلق؛ فإن اللّه مع الذين اتقوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت