كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا قال: (نعم) ، {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: (نعم) ، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] ، قال: (نعم) .
وروى سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس معناه، وقال: (قد فَعَلْتُ، قد فَعَلْتُ) ، بدل (نعم) .
ولهذا قال كثير من السلف والخلف: إنها منسوخة بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ، كما نقل ذلك عن ابن مسعود، وأبى هريرة، وابن عمر، وابن عباس في رواية عنه، والحسن، والشَّعْبِى، وابن سِيرِين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراسانى، والسُّدِّىّ، ومحمد بن كعب، ومقاتل، والكلبى، وابن زيد، ونقل عن آخرين أنها ليست منسوخة، بل هى ثابتة في المحاسبة على العموم، فيأخذ من يشاء ويغفر لمن يشاء، كما نقل ذلك عن ابن عمر، والحسن، واختاره أبو سليمان الدمشقى والقاضى أبو يعلى، وقالوا: هذا خبر، والأخبار لا تنسخ.
وفصل الخطاب: أن لفظ (النسخ) مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من قال: إن قوله: {اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] ، نسخ بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله: {حَقَّ تُقَاتِهِ} و {حَقَّ جِهَادِهِ} الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ اللّه ما يلقى الشيطان ويحكم اللّه آياته. وإن لم يكن نسخ ذلك نسخ ما أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان، إما من الأنفس أو من الأسماع أو من اللسان.
وكذلك ينسخ اللّه ما يقع في النفوس من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ} الآية إنما تدل على أن اللّه يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله: {لِمَن يَشَاء} يقتضى أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره.
ولا يقتضى أنه يغفر ويعذب بلا حكمة ولا عدل، كما قد يظنه من يظنه من الناس، حتى يجوزوا أنه يعذب على الأمر اليسير من السيئات مع كثرة الحسنات وعظمها، وأن الرجلين اللذين لهما حسنات وسيئات يغفر لأحدهما مع كثرة سيئاته وقلة حسناته، ويعاقب الآخر على السيئة الواحدة مع كثرة حسناته، ويجعل درجة ذاك في الجنة فوق درجة الثانى.
وهؤلاء يجوزون أن يعذب اللّه الناس بلا ذنب، وأن يكلفهم ما لا يطيقون ويعذبهم على تركه، والصحابة إنما هربوا وخافوا أن يكون الأمر من هذا الجنس، فقالوا: لا طاقة لنا بهذا؛ فإنه إن كلفنا ما لا نطيق عذبنا، فنسخ اللّه هذا الظن، وبين أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وبين بطلان قول هؤلاء الذين يقولون: إنه يكلف العبد ما لا يطيقه، ويعذبه عليه، وهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف والأئمة، بل أقوالهم تناقض ذلك، حتى إن سفيان بن عيينة سئل عن قوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، قال: إلا يسرها، ولم يكلفها طاقتها. قال البغوى: وهذا قول حسن؛ لأن الوسع ما دون الطاقة، وإنما قاله طائفة من المتأخرين لما ناظروا