المعتزلة فى (مسائل القدر) وسلك هؤلاء مسلك الجبر، جَهْم وأتباعه، فقالوا هذا القول وصاروا فيه على مراتب، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
قال ابن الأنبارى في قوله: {وَلاَتُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] أى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تَجشُّم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل؛ فإن الرجل منهم يقول للرجل: ما أطيق النظر إليك، وهومطيق لذلك، لكنه ثقيل عليه النظر إليه قال: ومثله قوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] .
قلت: ليست هذه لغة العرب وحدهم، بل هذا مما اتفق عليه العقلاء. والاستطاعة في الشرع هى ما لا يحصل معه للمكلف ضرر راجح، كاستطاعة الصيام والقيام، فمتى كان يزيد في المرض أو يؤخر البرء لم يكن مستطيعًا؛ لأن في ذلك مضرة راجحة، بخلاف هؤلاء فإنهم كانوا لا يستطيعون السمع لبغض الحق وثقله عليهم؛ إما حسدًا لقائله، وإما اتباعًا للهوى ورين الكفر والمعاصى على القلوب، وليس هذا عذرًا، فلو لم يأمر العباد إلا بما يهوونه لفسدت السموات والأرض ومن فيهن.
والمقصود أن السلف لم يكن فيهم من يقول: إن العبد لا يكون مستطيعًا إلا في حال فعله، وأنه قبل الفعل لم يكن مستطيعًا، فهذا لم يأت الشرع به قط، ولا اللغة، ولا دل عليه عقل، بل العقل يدل على نقيضه، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
والرب ـ تعالى ـ يعلم أن العبد لا يفعل الفعل مع أنه مستطيع له، والمعلوم أنه لا يفعله، ولا يريده لا أنه لا يقدر عليه، والعلم يطابق المعلوم، فاللّه يعلم ممن استطاع الحج والقيام والصيام أنه مستطيع، ويعلم أن هذا مستطيع يفعل مستطاعه، فالمعلوم هو عدم الفعل لعدم إرادة العبد، لا لعدم استطاعته، كالمقدورات له التى يعلم أنه لا يفعلها لعدم إرادته لها لا لعدم قدرته عليها، والعبد قادر على أن يفعل، وقد علم اللّه أنه لا يفعل مع القدرة؛ ولهذا يعذبه لأنه إنما أمره بما استطاع لا بما لا يستطيع، ومن لم يستطع لم يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه.
وإذا قيل: فيلزم أن يكون قادرًا على تغيير علم اللّه؛ لأن اللّه علم أنه لا يفعل، فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم اللّه.
قيل: هذه مغلطة؛ وذلك أن مجرد قدرته على الفعل لا يلزم فيها تغيير العلم، وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه، لا عدم وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم اللّه بعدم وقوعه، بل إن وقع كان اللّه قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان اللّه قد علم أنه لا يقع، ونحن لا نعرف علم اللّه إلا بما يظهر، و علم اللّه مطابق للواقع، فيمتنع أن يقع شىء يستلزم تغيير العلم، بل أى شىء وقع كان هو المعلوم، والعبد الذى لم يفعل لم يأت بشىء يغير العلم، بل هو قادر على فعل ما لم يقع، ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع.
وإذا قيل: فمع عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه قدر على تغيير العلم.
قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه، وهو لم يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه، فإذا وقع كان اللّه عالمًا أنه سيقع، وإذا لم يقع كان اللّه عالمًا بأنه لا يقع البَتةَ، فإذا فرض وقوعه