الصفحة 424 من 761

أما الغائية، فإن اللّه إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير لا شر، وإن كان شرًا إضافيًا، فإذا أضيف مفردًا توهم المتوهم مذهب جَهم: أن الله يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة، والأخبار والسنة والاعتبار تبطل هذا المذهب.

كما أنه إذا قيل: محمد وأمته يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض، كان هذا ذمًا لهم، وكان باطلا. وإذا قيل: يجاهدون في سبيل الله لتكون كلمة اللّه هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويقتلون من منعهم من ذلك، كان هذا مدحًا لهم، وكان حقًا.

فإذا قيل: إن الرب ـ تبارك وتعالى ـ حكيم رحيم، أحسن كل شىء خلقه، وأتقن ما صنع، وهو أرحم الراحمين، أرحم بعباده من الوالدة بولدها، والخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل لا يفعل إلا خيرًا، وما خلقه من ألم لبعض الحيوانات أو من أعمالهم المذمومة، فله فيها حكمة عظيمة، ونعمة جسيمة ـ كان هذا حقًا، وهو مدح للرب وثناء عليه.

وأما إذا قيل: إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد، ولا له فيها حكمة ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب ـ لم يكن هذا مدحا للرب، ولا ثناء عليه، بل كان بالعكس.

ومن هؤلاء من يقول: إن اللّه تعالى أضر على خلقه من إبليس.

وبسط القول في بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر.

وقد بينا بعض ما في خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة والرحمة، وما لم نعلم أعظم مما علمناه.

فتبارك اللّه أحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وخير الغافرين، ومالك يوم الدين، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، الذي لا يحصى العباد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، الذي له الحمد في الأولى والآخر، وله الحكم وإليه ترجعون، الذي يستحق الحمد والحب والرضا لذاته، ولإحسانه إلى عباده ـ سبحانه وتعالى ـ يستحق أن يحمد لما له في نفسه من المحامد والإحسان إلى عباده. هذا حمد شكر، وذاك حمد مطلقًا.

وقد ذكرنا ـ في غير هذا الموضع ـ ما قيل: من أن كل ما خلقه اللّه فهو نعمة على عباده المؤمنين، يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه، وهو من آلائه؛ ولهذا قال في آخر سورة النجم: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 55] ، وفى سورة الرحمن يذكر: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] ونحو ذلك، ثم يقول عقب ذلك: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 28] .

وقال آخرون ـ منهم الزجاج، وأبو الفرج ابن الجوزي ـ: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها ينعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم.

وهذا قالوه في سورة الرحمن.

وقالوا في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 55] ؟: فبأي نِعَم ربك التى تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقيل: تشك وتجادل؟ قال ابن عباس: تكذب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت