الصفحة 425 من 761

قلت: قد ضمن {تَتَمَارَى} معنى تكذب؛ ولهذا عداه بالتاء؛ فإن التماري تفاعل من المراء. يقال: تمارينا في الهلال. والمراء في القرآن كفر، وهو يكون تكذيب وتشكيك.

وقد يقال: لما كان الخطاب لهم، قال: {تَتَمَارَى} أي يتمارون، ولم يقل: تميرا؛ فإن التفاعل يكون بين اثنين تماريا. قالوا: والخطاب للإنسان. قيل: للوليد بن المغيرة؛ فإنه قال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم 36 - 38] ، ثم التفت إليه فقال: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} تكذب، كما قال: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 14 - 16] .

ففي كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده، يحمد عليه حمد شكر، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمدًا يستحقه لذاته.

فجميع المخلوقات فيها إنعام على العباد، كالثقلين المخاطبين بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} من جهة أنها آيات للرب، يحصل بها هدايتهم وإيمانهم الذى يسعدون به في الدنيا والآخرة، فيدلهم عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته.

والآيات التى بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ونصرهم، وإهلاك عدوهم ـ كما ذكره في سورة النجم: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: 50 ـ 54] ، تدلهم على صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ما بشروا به وأنذروا به.

ولهذا قال عقيب ذلك: {هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى} [النجم: 56] ، قيل: هو محمد. وقيل: هو القرآن؛ فإن الله سمى كلا منهما بشيرًا ونذيرًا، فقال في رسول الله: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، وقال ـ تعالى ـ في القرآن: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فصلت: 3، 4] ، وهما متلازمان.

وكل من هذين المعنيين مراد، يقال: هذا نذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب الأولى.

وقوله: {مِّنَ النُّذُرِ} أي: من جنسها، أي رسول من الرسل المرسلين.

ففي المخلوقات نعم من جهة حصول الهدى والإيمان، والاعتبار والموعظة بها. وهذه أفضل النعم.

فأفضل النعم نعمة الإيمان وكل مخلوق من المخلوقات فهو الآيات التى يحصل بها ما يحصل من هذه النعمة، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111] ، وقال تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: 8] .

وما يصيب الإنسان، إن كان يَسُرُّه فهو نعمة بينة، وإن كان يسؤوه فهو نعمة من جهة أنه يُكَفِّر خطاياه، ويثاب بالصبر عليه. ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت