الصفحة 426 من 761

وقد قال في الحديث: (واللَّهِ، لا يَقْضِى اللَّهُ للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سَرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر، فكان خيرًا له) . وإذا كان هذا وهذا، فكلاهما من نعم اللّه عليه.

وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر.

أما نعمة الضراء، فاحتياجها إلى الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها؛ فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.

وفى الحديث: (أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى) .

والفقر يصلح عليه خَلْق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم.

ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين؛ لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة، وفى الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 9ـ 11] ، ولأن صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر؛ فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، إذا تركه استحق العقاب.

وأما صبر صاحب السراء، فقد يكون مستحبًا إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجبًا، ولكن لإتيانه بالشكر ـ الذي هو حسنات ـ يغفر له ما يغفر من سيئاته.

وكذلك صاحب الضراء، لا يكون الشكر في حقه مستحبًا إذا كان شكرًا يصير به من السابقين المقربين. وقد يكون تقصيره في الشكر مما يغفر له، لما يأتي به من الصبر؛ فإن اجتماع الشكر والصبر ـ جميعًا ـ يكون مع تألم النفس وتلذذها، يصبر على الألم، ويشكر على النعم. وهذا حال يعسر على كثير من الناس، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن الله ـ تعالى ـ منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر الإنعام به في الابتداء لأكثر الناس، فإن اللّه يعلم وأنتم لا تعلمون، فكل ما يفعله اللّه فهو نعمة منه.

وأما ذنوب الإنسان، فهي من نفسه، ومع هذا فهي ـ مع حسن العاقبة ـ نعمة، وهي نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والإيمان؛ ولهذا كان من أحسن الدعاء قوله: (اللهم لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل أحدًا أسعد بما علمتني منى) .

وفي دعاء القرآن: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس: 85] ، و {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [الممتحنة: 5] ، كما فيه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] أي: فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى.

و (الآلاء) فى اللغة: هي النعم، وهي تتضمن القدرة.

قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السورة ـ سورة الرحمن ـ نعماءه، وذَكَّر عباده آلاءه ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين، ليفهم النعم ويقررهم بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت