وقد روى الحاكم ـ في صحيحه ـ والترمذي، عن جابر، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: قرأ علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها، ثم قال: (مالي أراكم سكوتا؟ لَلْجِنُّ كانوا أحسن منكم رَدّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ـ {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ـ إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد) .
واللّه ـ تعالى ـ يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته، ويذكر بآياته التى فيها نعمه وإحسانه إلى عباده، ويذكر بآياته المبينة لحكمته تعالى، وهي كلها متلازمة.
فكل ما خلق فهو نعمة، ودليل على قدرته وعلى حكمته.
لكن نعمة الرزق، والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس ظاهرة لكل أحد؛ فلهذا يستدل بها ـ كما في سورة النحل ـ وتسمى سورة النعم، كما قاله قتادة وغيره.
وعلى هذا، فكثير من الناس يقول: الحمد أعم من الشكر، من جهة أسبابه، فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان واليد.
فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة، لم يكن الحمد إلا على نعمة، والحمد لله على كل حال؛ لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده.
لكن هذا فَهْم من عرف ما في المخلوقات من النعم. والجهمية والجبرية بمعزل عن هذا.
وكذلك كل ما يخلقه، ففيه له حكمة، فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة والجهميةـ أيضًا ـ بمعزل عن هذا.
وكذلك القدرية ـ الذين يقولون: لا تعود الحكمة إليه، بل ما ثم إلا نفع الخلق ـ فما عندهم إلا شكر، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة.
والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة لا يظهر فيها وصف حمد، كالقادر الذي يفعل ما لا ينتفع به، ولا ينفع به أحدًا، فهذا لا يحمد.
فحقيقة قول الجهمية ـ أتباع جَهْم ـ أنه لا يستحق الحمد، فله عندهم ملك بلا حمد، مع تقصيرهم في معرفة ملكه.
كما أن المعتزلة له عندهم من الحمد بلا ملك تام؛ إذ كان عندهم يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وتحدث حوادث بلا قدرته.
وعلى مذهب السلف، له الملك وله الحمد تامين، وهو محمود على حكمته، كما هو محمود على قدرته ورحمته.
وقد قال: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، فله الوحدانية في إلهيته، وله العدل، وله العزة والحكمة.
وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم، فمن قصر عن معرفة السنة، فقد نقص الرب بعض حقه.
والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة، ولا توحيد إلهية، بل توحيد ربوبيته.
والمعتزلي ـ أيضًا ـ لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات، ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة، وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها