الصفحة 429 من 761

وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر في كلامه ما يقتضي هذا، ومن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به، لكن يرى أن ليس في ذكره منفعة، أو يخاف من عموم المسلمين.

وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا.

وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على اللّه، ويجعلون الرب ظالمًا لهم.

وهو خلاف ما وصف اللّه به نفسه، في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] ،وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [هود: 101] ، وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .

كيف يكون ظالمًا وهم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض، أو قصر في حقه لكان يؤاخذه، ويعاقبه وينتقم منه، ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه؟!

ولو قال: إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه، لم يكن هذا عذرًا له عندهم باتفاق العقلاء.

فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجًا بالقدر، فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجًا بالقدر وهو ـ سبحانه ـ الحكم العدل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا؟ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

فقوله: (أحق ما قال العبد) : يقتضي أن حمد الله أحق ما قاله العبد، فله الحمد على كل حال؛ لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان، الذي يستحق الحمد عليه ـ سبحانه وتعالى ـ وإن كان العباد لا يعلمون.

وهو ـ سبحانه ـ خلق الإنسان، وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر لحكمة بالغة، ورحمة سابغة.

فإذا قيل: فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه؟

قيل: كان يكون ذلك خلقًا غير الإنسان، وكانت الحكمة التى خلقها بخلق الإنسان لا تحصل، وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة: 30] ، وما لم تعلمه الملائكة، فكيف يعلمه آحاد الناس.

ونفس الإنسان خلقت كما قال اللّه تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19ـ21] ، وقال تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] .

فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة، ورحمة عميمة، فكان ذلك خيرًا ورحمة، وإن كان فيه شر إضافي ـ كما تقدم ـ فهذا من جهة الغاية، مع أنه لا يضاف الشر إلى الله.

وأما الوجه الثاني من جهة السبب: فإن هذا الشر إنما وجد لعدم العلم والإرادة التى تصلح النفس، فإنها خلقت بفطرتها تقتضي معرفة اللّه ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك، وهذا كله من فضل الله وإحسانه، لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها، بل حصل لها من زين لها السيئات ـ من شياطين الإنس والجن ـ مالت إلى ذلك، وفعلت السيئات، فكان فعلها للسيئات مركبًا من عدم ما ينفع وهو الأفضل، ووجود هؤلاء الذين حيروها، والعدم لا يضاف إلى اللّه. وهؤلاء القول فيهم كالقول فيها؛ خلقهم لحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت