الصفحة 430 من 761

فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح هو أحد السببين، وكان الشر المحض الذي لا خير فيه هو العدم المحض، والعدم لا يضاف إلى الله؛ فإنه ليس شيئًا، واللّه خالق كل شيء ـ كانت السيئات منها بأعتبار [أن] ذاتها في نفسها مستلزمة للحركة الإرادية التى تحصل منهاـ مع عدم ما يصلحها ـ تلك السيئات.

والعبد إذا اعترف وأقر بأن اللّه خالق أفعاله كلها، فهو على وجهين: إن اعترف به إقرارًا بخلق الله كل شيء، بقدرته ونفوذ مشيئته، وإقرارًا بكلماته التامات التى لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، واعترافا بفقره وحاجته إلى اللّه، وأنه إن لم يهده فهو ضال، وإن لم يتب عليه فهو مصر، وإن لم يغفر له فهو هالك ـ خضع لعزته وحكمته ـ فهذا حال المؤمنين الذين يرحمهم اللّه، ويهديهم ويوفقهم لطاعته.

وإن قال ذلك احتجاجًا على الرب، ودفعًا للأمر والنهي عنه، وإقامة لعذر نفسه - فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان، ولا يزيده ذلك إلا شرًا، وقد ذكرنا أن الرب ـ سبحانه ـ محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه؛ ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده، ويستحق أن يرضى العبد بقضائه؛ لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيرًا وعدلا، ولأنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له (إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) .

فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه ـ من الحمد والثناء ـ ولأنه محسن إلى المؤمن.

وما تسأله طائفة من الناس، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له) . وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب، فكيف يكون ذلك خيرًا؟

وعنه جوابان:

أحدهما: أن أعمال العباد لم تدخل في الحديث، وإنما دخل فيه ما يصيب الإنسان من النعم والمصائب، كما في قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ؛ ولهذا قال: (إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) ، فجعل القضاء ما يصيبه من سراء وضراء. هذا ظاهر لفظ الحديث، فلا إشكال عليه.

الوجه الثانى: أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت في هذا، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) .

فإذا قضى له بأن يحسن، فهذا مما يسره، فيشكر اللّه عليه.

وإذا قضى عليه بسيئة، فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها إذا لم يتب منها، فإن تاب أبدلت بحسنة، فيشكر اللّه عليها، وإن لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها فصبر عليها، فيكون ذلك خيرًا له. والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقضي الله للمؤمن) ، والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب، بل يتوب منه، فيكون حسنة، كما قد جاء في عدة آيات: أن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله، لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة.

والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه، ودعاء اللّه واستغفاره إياه، وشهوده بفقره وحاجته إليه، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو.

فيحصل للمؤمن ـ بسبب الذنب ـ من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك، فيكون هذا القضاء خيرًا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت