وإذا كان اللّه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فما بقى الشفعاء شركاء، كشفاعة المخلوق عند المخلوق؛ فإن المخلوق يشفع عنده نظيره ـ أو من هو أعلى منه، أو دونه ـ بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولا بد شفاعته إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.
وتكون شفاعة الشفيع هى التى حَرَّكَت إرادة المشفوع إليه، وجعلته مريدًا للشفاعة، بعد أن لم يكن مريدًا لها، كأمر الآمر الذى يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدًا لفعله.
وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق، فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله.
فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب.
واللّه تعالى وِتْر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر ـ سبحانه ـ نفى ذلك في آية الكرسى، التى فيها تقرير التوحيد، فقال: {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
وسيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، إذا سجد وحمد ربه، يقال له: (ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيحد له حدًا، فيدخلهم الجنة) . فالأمر كله للّه، كما قال: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] ،وقال لرسوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ، وقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] .
فإذا كان لا يشفع عند اللّه أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (اشفعوا تؤجروا، ويقضى اللّه على لسان نبيه ما شاء) .
وإذا دعاه الداعى، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن هذا مؤثرًا فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه ـ سبحانه ـ هو الذى جعل هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذى وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذى وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذى وفقه للدعاء ثم أجابه، فما يؤثر فيه شىء من المخلوقات، بل هو ـ سبحانه ـ الذى جعل ما يفعله سببًا لما يفعله.
وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن اللّه خالق كل شىء و أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شىء إلا بمشيئته، وهو خالق أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات. قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن اللّه خالق أفعال العباد.
ولكن هذا يناقض قول القَدَريِة، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذى يحدث، ويخلق أفعاله بدون مشيئة اللّه وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له، فبدعائه جعله مجيبًا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة.
وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه.
فإن (الإذن) نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة.