الصفحة 441 من 761

فمن الأول: قوله في السحر: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} [البقرة: 102] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر.

والقدرية تنكر هذا (الإذن) . وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن اللّه.

وكذلك قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ} [آل عمران: 166] ،فإن الذى أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة، إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين.

والنوع الثانى: قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 45، 46] ،وقوله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5] ، فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له، ورفع الجُنَاح والحَرَج عن فاعله، مع كونه بمشيئته وقضائه.

فقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، هو هذا الإذن الكائن بقدره وشرعه، ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر؛ فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن.

فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون اللّه خالقًا لها، وقادرًا عليها، ومشيئًا لها، فعنده كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته، وإن كان قد أباح الشفاعة.

وأما الكفر، والسحر، وقتال الكفار، فهو عندهم بغير إذنه، لا هذا الإذن ولا هذا الإذن؛ فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين. وعندهم: أنه لم يشأه ولم يخلقه، بل كان بدون مشيئته وخلقه.

والمشركون المقرون بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القَدَرِى، وإن لم يإذن لهم إباحة وجوازًا.

ومن كان مكذبًا بالقدر ـ مثل كثير من النصارى ـ يقولون: إن شفاعة الشفعاء بغير إذن، لا قَدَرِى ولا شرعى.

والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون بغير إذن قدرى.

ومن سأل اللّه بغير إذنه الشرعى، فقد شفع عنده بغير إذن قدرى ولا شرعي.

فالداعى المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم، لكن بإباحته.

والداعى غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن اللّّه الشرعى، وإن كان خالقًا لفعله ـ كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن أبّى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته. وقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدرى لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر. ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعى فقط، لزم قول القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعى؟

قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هى الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في قول المصلى: (سمع اللّه لمن حمده) أى: استجاب له، وكما في قوله تعالى: هُدًى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت