الصفحة 443 من 761

وهذا هو الذى يذكره طائفة من المفسرين، لا يذكرون غيره؛ لأنه لم يقل: (لا تنفع إلا من أذن له) ولا قال: (لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له) ، بل قال: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ} فهى لا تنفع ولا ينتفع بها، ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] .

ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع مأذون له، بل لو أريد هذا، لقيل: لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له، وإنما قال: {لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وهو المشفوع له، الذى تنفعه الشفاعة.

وقوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} لم يعد إلى (الشفعاء) بل عاد إلى المذكورين في قوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} ثم قال: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ} ثم بين أن هذا منتف {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} [سبأ: 22، 23] ، فلا يعلمون ماذا قال، حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟

وهو ـ سبحانه ـ إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع.

فهذا الإذن هو الإذن المطلق، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط؛ فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له، إذ قد يأذن له إذنًا خاصًا.

وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين، وكذلك قال السلف في هذه الآية.

قال قتادة في قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] قال: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذى قال اللّه تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] ، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.

قال البغوى: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} أذن اللّه له أن يشفع له، {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} أى: ورضى قوله. قال ابن عباس: يعنى قال: (لا إله إلا اللّه) . قال البغوى: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن.

وقد ذكروا القولين في قوله تعالى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما قدموه هنا.

منهم البغوى، فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، في الشفاعة، قاله تكذيبًا لهم، حيث قالوا: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس: 18] ، قال: ويجوز أن يكون المعنى: إلا لمن أذن له أن يشفع له.

وكذلك ذكروا القولين في قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] ، وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين، وأنه منقطع.

ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين. وذلك أنه ـ سبحانه قال: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ،والشفاعة: مصدر شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه (المفعول به) تارة، كما يقال: أعجبنى دق الثوب ودق القَصَّار وذلك مثل لفظ (العلم) ، يضاف تارة إلى العلم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت