وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ، وقوله: {أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ} [هود: 14] ،ونحو ذلك.
والثانى كقوله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ، فالساعة هنا: معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} . قال موسى: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: 51، 52] ، ومثل هذا كثير.
فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له.
والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له.
فإذا قال: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ} نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من المشفوع له، وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه.
والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعًا ولا مشفوعًا له {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] ، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضى قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات.
فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} ثم قال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]
وهنا اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صوابًا، والمستثنى يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته، فهو يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} ، فإذا لم يكن في الكلام حذف، كان المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له.
وإن جعل فيه حذف ــ تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ــ كان المصدر مضافًا إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعًا، وإلى بعضهم لكونه مشفوعًا له، ويكون هذا كقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ} [البقرة: 177] ، أى من يؤمن، و {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: 171] ، أى مثل داعى الذين كفروا كمثل الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أى الذى ينعق به، والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم.
فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه. وقوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ} [طه: 109] ، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة.
وفى الآية الأخرى: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، من هؤلاء، وهؤلاء.