الصفحة 445 من 761

لكن قد يقال: التقدير: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن لغيره أن يشفع فيه، فيكون الإذن للطائفتين. والنفع للمشفوع له، كأحد الوجهين، أو: ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء، فكما أن الإذن للطائفتين، فالنفع أيضا للطائفتين. فالشافع ينتفع بالشفاعة، وقد يكون انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الصحيح: (اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله تعالى على لسان نبيه ما شاء) .

ولهذا كان من أعظم ما يكرم به اللّه عبده محمدًا صلى الله عليه وسلم: هو الشفاعة التى يختص بها، وهى المقام المحمود، الذى يحمده به الأولون والآخرون.

وعلى هذا، لا تحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها: يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعًا ولا مشفوعًا {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] .

ولذلك جاء في الصحيح: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (يا بنى عبد مناف، لا أملك لكم من الله من شىء، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أملك لك من الله من شىء، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله من شىء) .

وفى الصحيح أيضًا: (لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رُغَاء أو شاة لها يُعَار أو رِقَاع تَخْفِق، فيقول: أغثنى، أغثنى، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله تعالى من شيء) .

فيعلم من هذا: أن قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} [الزخرف: 86] ، و لَا يَمْلِكُونَ

مِنْهُ خِطَابًا [النبأ: 37] ، على مقتضاه، وأن قوله في الآية: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ} كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا أملك لكم من الله من شىء) وهو كقول إبراهيم لأبيه: {$ّمّا أّمًلٌكٍ لّكّ مٌنّ بلَّهٌ مٌن شّيًءُ} [الممتحنة: 4] .

وهذه الآية تشبه قوله تعالى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 37، 38] ، فإن هذا مثل قوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، ففى الموضعين اشترط إذنه. فهناك ذكر (القول الصواب) وهنا ذكر (أن يرضى قوله) . ومن قال: الصواب رضى اللّه قوله، فإن الله إنما يرضى بالصواب.

وقد ذكروا في تلك الآية قولين:

أحدهما: أنه الشفاعة ـ أيضًا ـ كما قال ابن السائب: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه.

والثانى: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قال مقاتل: كذلك قال مجاهد: {لا يّمًلٌكٍونّ مٌنًهٍ خٌطّابْا} قال: كلامًا. هذا من تفسيره الثابت عنه، وهو مِن أعلم ـ أو أعلم ـ التابعين بالتفسير.

قال الثورى: إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به. وقال: عرضت المصحف على ابن عباس: أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وعليه اعتمد الشافعى وأحمد والبخارى في صحيحه.

وهذا يتناول الشفاعة أيضًا.

وفى قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} لم يذكر استثناء؛ فإن أحدًا لا يملك من اللّه خطابًا مطلقًا؛ إذ المخلوق لا يملك شيئًا يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت