الصفحة 446 من 761

يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ [الزخرف: 86] ، أن هذا عام مطلق، فإن أحدًا ـ ممن يدعى من دونه ـ لا يملك الشفاعة بحال، ولكن اللّه إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكًا لهم، وكذلك قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} هذا قول السلف وجمهور المفسرين.

وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة اللّه في ذلك اليوم، قال ابن عطية: قوله: {لَا يَمْلِكُونَ} الضمير للكفار، أي: لا يملكون ـ من إفضاله وإكماله ـ أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها.

وهذا مبتدع، وهو خطأ محض.

والصحيح: قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى: {وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108] ، وفي حديث التجلي الذى في الصحيح ـ لما ذكر مرورهم على الصراط ـ قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ) ، فهذا في وقت المرور على الصراط، وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك؟

وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولى العزم، وكل يقول: (إن ربى قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي) . فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى ـ تعالى ـ بالشفاعة، فكيف بغيرهم؟

وأيضًا، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر الكافرين، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَاسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 31 ـ 38] ،فقد أخبر أن الروح والملائكة يقومون صفًا، لا يتكلمون. وهذا هو تحقيق قوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} والعرب تقول: ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئًا، أي: لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة، ولو بالسؤال.

فهم في ذلك الموطن لا يملكون من الله تعالى شيئًا، ولا الخطاب؛ فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، قال تعالى: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] ، فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من اللّه من شيء، فكيف غيره؟

وقال مجاهد ـ أيضًا ـ: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} قال: حقًا في الدنيا، وعملا به. رواه ـ والذى قبله ـ عبد بن حميد. وروى عن عكرمة: {وَقَالَ صَوَابًا} قال: الصواب قول لا إله إلا اللّه.

فعلى قول مجاهد: يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح.

وقوله في سوره طه: {لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [الآية: 109] ، فإذا جعلت هذا مثل تلك، فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة، وهي الشفاعة في الحسنات وفى دخول الجنة، كما في الصحيحين: (أن الناس يهتمون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا؟) ، فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت