وفى حديث الشفاعة: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن) فهذه شفاعة في أهل الجنة؛ ولهذا قيل: إن هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشفع غيره في العصاة.
فقوله: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عمومًا، وفى أهل الجنة، وفي المستحقين للعذاب. وهو ـ سبحانه ـ في هذه وتلك لم يذكر العمل، إنما قال: {وَقَالَ صَوَابًا} وقال: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} ، ولكن قد دل الدليل على أن القول الصواب المرضي لا يكون صاحبه محمودًا إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مَرْضِى، فقد قال اللّه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] .
وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] قولين: أحدهما: أن المستثنى هو الشافع، ومحل [من] الرفع. والثاني: هو المشفوع له.
قال أبو الفرج: في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه أراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزيزًا والملائكة، فقال: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. قال: وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة.
والثانى: أن المراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ} عيسى و عزيرًا والملائكة، الذين عبدهم المشركون، لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} وهي كلمة الإخلاص {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أن الله تعالى خلق عيسى وعزيرًا والملائكة. وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد.
وقال البغوي: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] ، هم عيسى وعزير والملائكة؛ فإنهم عبدوا من دون الله تعالى، ولهم الشفاعة. وعلى هذا تكون (من) فى محل رفع. وقيل: (من) فى محل خفض، وأراد بـ {الَّذِينَ يَدْعُونَ} : عيسى وعزيرًا والملائكة، يعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق. قال: والأول أصح.
قلت: قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة، منهم ابن أبى حاتم. روى بإسناده المعروف ـ على شرط الصحيح ـ عن مجاهد قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} عيسى وعزير والملائكة، يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة {إلا مّن شّهٌدّ بٌالًحّقٌَ} يعلم الحق. هذا لفظه. جعل (شفع) متعديا بنفسه وكذلك لفظ. . . [بياض بالأصل] .
وعلى هذا، فيكون منصوبا، لا يكون مخفوضًا، كما قاله البغوي؛ فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم، ويكون على هذا يقال: شفعته، وشفعت له، كما يقال: نصحته، ونصحت له. و (شفع) أي صار شفيعًا للطالب، أي لا يشفعون طالبًا ولا يعينون طالبًا {إلا مّن شّهٌدّ بٌالًحّقٌَ $ّهٍمً يّعًلّمٍونّ} أن الله ربهم.
وروى بإسناده عن قتادة {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . الملائكة وعيسى وعزير، أي أنهم قد عبدوا من دون اللّه، ولهم شفاعة عند اللّه ومنزلة.
قلت: كلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية: أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون اللّه الشفاعة مطلقًا، لا يستثنى من ذلك أحد عند اللّه؛ فإنه لم