الصفحة 45 من 761

فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه فإنه منه، وهذا ـ مع أنه من أعظم الكفر والكذب الباطل في العقل والدين ـ فإنه متناقض، فإن الراكض والمركوض واحد، وكذلك الناهي والمنهي، فليس شيء من ذلك بأولى بالأمر والنهي من شيء، ولا يعقل مع الوحدة تعدد، وإذا قيل: مظاهر ومجالى، قيل: إن كان لها وجود غير وجود الظاهر والمتجلى، فقد ثبت التعدد وبطلت الوحدة، وإن كان وجود هذا هو وجود هذا لم يبق بين الظاهر، والمظهر، والمتجلي فيه فرق.

وإن أراد بقوله: [ما فارقه الله طرفة عين] الحلول الخاص ـ كما تقوله النصارى في المسيح ـ لزم أن يكون هذا الحلول ثابتا له من حين خلق ـ كما تقوله النصارى في المسيح ـ فلا يكون ذلك حاصلا له بمعرفته وعبادته وتحقيقه وعرفانه.

وحينئذ فلا يكون فرق بينه وبين غيره من الآدميين، فلماذا يكون الحلول ثابتا له دون غيره؟ وهذا شر من قول النصارى، فإن النصارى ادعوا ذلك في المسيح لكونه خلق من غير أب، وهؤلاء الشيوخ لم يفضلوا في نفس التخليق، وإنما فضلوا بالعبادة والمعرفة، والتحقيق والتوحيد.

/ وهذا أمر حصل لهم بعد أن لم يكن لهم، فإذا كان هذا هو سبب الحلول، وجب أن يكون الحلول فيهم حادثا لا مقارنا لخلقهم، وحينئذ فقولهم: إن الرب ما فارق أبدانهم أو قلوبهم طرفة عين قط، كلام باطل كيفما قدر.

وأما ما ذكر عن رابعة العدوية من قولها عن البيت: إنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة، ولو قال هذا من قاله لكان كافرًا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو كذب، فإن البيت لا يعبده المسلمون، ولكن يعبدون رب البيت بالطواف به، والصلاة إليه، وكذلك ما نقل من قولها: والله ما ولجه الله ولا خلا منه، كلام باطل عليها.

وعلى مذهب الحلولية لا فرق بين ذاك البيت وغيره في هذا المعني، فلأي مزية يطاف به ويصلى إليه ويحج دون غيره من البيوت؟

وقول القائل: ما ولج الله فيه كلام صحيح. وأما قوله: ما خلا منه فإن أراد أن ذاته حالة فيه أو ما يشبه هذا المعنى، فهو باطل وهو مناقض لقوله: ما ولج فيه، وإن أراد به أن الاتحاد ملازم له لم يتجدد له ولوج ولم يزل غير حال فيه، فهذا مع أنه كفر وباطل يوجب ألا يكون للبيت مزية على غيره من البيوت إذ الموجودات كلها عندهم كذلك.

/ وأما البيتان المنسوبان إلى الحلاج:

سبحان من أظهر ناسوته ** سر سنا لاهوته الثاقب

حتى بدا في خلقه ظاهرا ** في صورة الآكل والشارب

فهذه قد بين بها الحلول الخاص ـ كما تقول النصارى في المسيح ـ وكان أبو عبد الله ابن خفيف الشيرازي ـ قبل أن يطلع على حقيقة أمر الحلاج ـ يذب عنه، فلما أنشد هذين البيتين قال: لعن الله من قال هذا.

وقوله: وله:

عقد الخلائق في الإله عقائدا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

فهذا البيت يعرف لابن عربي، فإن كان قد سبقه إليه الحلاج وقد تمثل هو به، فإضافته إلى الحلاج صحيحة، وهو كلام متناقض باطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت