الصفحة 46 من 761

فإن الجمع بين النقيضين في الاعتقاد في غاية الفساد. والقضيتان المتناقضتان بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى لا يمكن الجمع بينهما.

وهؤلاء يزعمون أنه يثبت عندهم في الكشف ما يناقض صريح العقل، وإنهم يقولون بالجمع بين النقيضين وبين الضدين، وأن من سلك طريقهم يقول بمخالفة المعقول والمنقول، ولا ريب أن هذا من أفسد ما ذهب إليه أهل السفسطة.

/ ومعلوم أن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أعظم من الأولىء، والأنبياء جاؤوا بما تعجز العقول عن معرفته، ولم يجيؤوا بما تعلم العقول بطلانه، فهم يخبرون بمحارات العقول، لا بمحالات العقول، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن محالات العقول صحيحة، وأن الجمع بين النقيضين صحيح، وأن ما خالف صريح المعقول وصحيح المنقول صحيح.

ولا ريب أنهم أصحاب خيال وأوهام، يتخيلون في نفوسهم أمورًا يتخيلونها ويتوهمونها، فيظنونها ثابتة في الخارج، وإنما هي من خيالاتهم، والخيال الباطل يتصور فيه ما لا حقيقة له.

ولهذا يقولون: أرض الحقيقة هي أرض الخيال، كما يقول ذلك ابن عربي وغيره، ولهذا يحكون حكاية ذكرها سعيد الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض، وكان من شيوخهم.

وأما قوله:

بيني وبينك إني تزاحمني ** فارفع بحقك إنيي من البين

فإن هذا الكلام يفسر بمعانٍ ثلاثة، يقوله الملحد، ويقوله الزنديق، ويقوله الصديق.

فالأول: مراده به طلب رفع ثبوت إنيته حتى يقال: إن وجوده هو وجود الحق، وإنيته هي إنية الحق، فلا يقال: إنه غير الله ولا سواه.

/ولهذا قال سلف هؤلاء الملاحدة: إن الحلاج نصف رجل، وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى، فرفعت له صورة. يقولون: إنه لما لم ترفع إنيته في الثبوت في حقيقة شهوده رفعت صورة فقتل، وهذا القول مع ما فيه من الكفر والإلحاد، فهو متناقض ينقض بعضه بعضا فإن قوله:

بيني وبينك إني تزاحمني

خطاب لغيره، وإثبات إنية بينه وبين ربه، وهذا إثبات أمور ثلاثة ولذلك يقول:

فارفع بحقك إنيي من البين **

طلب من غيره أن يرفع إنيته، وهذا إثبات لأمور ثلاثة.

وهذا المعنى الباطل هو الفناء الفاسد، وهو الفناء عن وجود السوى، فإن هذا فيه طلب رفع الإنية ـ وهو طلب الفناء ـ والفناء ثلاثة أقسام:

فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى.

فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة، كما فسروا به كلام الحلاج ـ وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.

وأما الثاني ـ وهو الفناء عن شهود السوى: فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين، كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، وبمذكوره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت