عن ذكره، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن / رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في الماء، فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك أني. فهذا حال من عجز عن شهود شىء من المخلوقات إذا شهد قلبه وجود الخالق، وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين.
ومن الناس من يجعل هذا من السلوك، ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه.
وهذا غلط عظيم، غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي، وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع إنيته بهذا الاعتبار، لم يكن محمودًا على هذا ولكن قد يكون معذورًا.
وأما النوع الثالث ـ وهو الفناء عن عبادة السوى: فهذا حال النبيين وأتباعهم، وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وطاعته عن طاعة ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له، وهو الحنيفية ملة إبراهيم.
ويدخل في هذا: أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فهذا هو الفناء الديني الشرعي، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
/ ومن قال:
فارفع بحقك إنيي من البين **
بمعنى أن يرفع هو نفسه فلا يتبع هواه، ولا يتوكل على نفسه وحوله وقوته، بل يكون عمله لله لا لهواه، وعمله بالله وبقوته لا بحوله وقوته، كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فهذا حق محمود.
وهذا كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: خدايي كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال ـ أي اترك اتباع هواك والاعتماد على نفسك ـ فيكون عملك لله واستعانتك بالله، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه} [هود: 123]
والقول المحكي عن ابن عربي:
وبي حلفت وإن المقسم الله
هو أيضا من إلحادهم وإفكهم جعل نفسه حالفة بنفسه، وجعل الحالف هو الله، فهو الحالف والمحلوف به، كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه، فهو المرسِل والمرسَل إليه والرسول. وكما قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ** وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ** حقيقته بالجمع في كل سجدة
/وما كان بي صلى سواي ولم تكن ** صلاتي لغيري في أدا كل ركعة
إلى أن قال:
وما زلت إياها وإياي لم تزل ** ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ** وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ** منادى أجابت من دعاني ولبت