الصفحة 463 من 761

فلما وصى به امرأته فقال لها: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} ، قال يوسف: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} ؛ ولهذا قال: {إنَّهٍ لا يٍفًلٌحٍ بظَّالٌمٍون} والضمير فى: {إِنَّهُ} معلوم بينهما، وهو سيدها.

/ وأما قوله تعالى: {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ، فهذا خبر من الله ـ تعالى ـ أنه رأى برهان ربه، وربه هو الله كما قال لصاحبى السجن: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ

مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [يوسف: 37] ، وقوله: {رَبِّي} مثل قوله لصاحب الرؤيا: {\ذًكٍرًنٌي عٌندّ رّبٌَك} ، قال تعالى: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] ، قيل: أنْسِىَ يوسف ذكر ربه، لَمَّا قال: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} .

وقيل: بل الشيطان أَنْسَى الذى نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ، قال تعالى: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} والضمير يعود إلى القريب، إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه، بل كان ذاكرًا لربه.

وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه، وقال لهما: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39، 40] .

وقال لهما قبل ذلك: {لاَ يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} أى: في الرؤيا {إِلاَّ نَبَّاتُكُمَا بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَاتِيكُمَا} ،يعنى: التأويل {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [يوسف: 37، 38] ، فبذا يذكر ربه ـ عز وجل ـ فإن هذا مما علمه ربه؛ لأنه ترك ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله، وإن كانوا مقرين بالصانع ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه أئمة المؤمنين ـ الذين جعلهم الله أئمة يدعون بأمره ـ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فذكر ربه ثم دعاهما إلى الإيمان بربه.

ثم بعد هذا عبر الرؤيا فقال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} الآية [يوسف: 41] ، ثم لما قضى تأويل الرؤيا قال للذى نجا منهما: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] ، فكيف يكون قد أَنْسَى الشيطان يوسف ذكر ربه؟ وإنما أنسى الشيطان الناجى ذكر ربه، أى: الذكر المضاف إلى ربه والمنسوب إليه، وهو أن يذكر عنده يوسف. والذين قالوا ذلك القول، قالوا: كان الأولى أن يتوكل على الله، ولا يقول: اذكرنى عند ربك، فلما نسى أن يتوكل على ربه جوزى بِلُبْثِه في السجن بِضْعَ سنين.

فيقال: ليس في قوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ما يناقض التوكل، بل قد قال يوسف: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [يوسف: 40] ، كما أن قول أبيه: {لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ} [يوسف: 67] ، لم يناقض توكله، بل قال: / {وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67] .

وأيضًا، فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين، والمخلص لا يكون مخلصًا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركًا لا فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت