عبادته ولا توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] ، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده.
وقوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ، مثل قوله لربه: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] ، فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضًا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهى عنه، فكيف يكون قوله للفتى: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} مناقضًا لِلتَّوَكُّل وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم حاله ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس.
ولهذا بعد أن طلب: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} ، قال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] ، فيوسف يذكر ربه في هذه الحال، كما ذكره في تلك، ويقول: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} فلم يكن في قوله له: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ترك لواجب، ولا فعل لمحرم، حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلمًا له، مع علمهم ببراءته من الذنب.
قال الله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] ، ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه؛ ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال؛ ولهذا قال: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] ، ولو لم يصبر ويتق، بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعًا من السجن، لم يحصل له هذا الصبر والتقوى، وفاته الأفضل باتفاق الناس.
لكن تنازع العلماء، هل يمكن الإكراه على الفاحشة؟ على قولين:
قيل: لا يمكن، كقول أحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهما، قالوا: لأن الإكراه يمنع الانتشار.
والثانى: يمكن، وهو قول مالك والشافعى، وابن عقيل، وغيره من أصحاب أحمد؛ لأن الإكراه لا ينافى الانتشار، فإن الإكراه لا ينافى كون الفعل اختيارًا، بل المكره يختار دفع أعظم الشَرَّيْنِ بالتزام / أدناهما. وأيضًا، فالانتشار بلا فعل منه، بل قد يُقَيَّد ويُضْجَع فتباشره المرأة فتنتشر شهوته فتستدخل ذَكَرَهَ.
فعلى قول الأولين: لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال، وعلى القول الثانى: فقد يقال: الحبس ليس بإكراه يبيح الزنا، بخلاف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو يَتْلِفُون بعض أعضائه، فالنزاع إنما هو في هذا، وهم لم يبلغوا به إلى هذا الحد، وإن قيل: كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته الأفضل.
وأيضًا، فالإكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر، وتبقى له شهوة وإرادة في الفاحشة.
ومن قال: الزنا لا يتصور فيه الإكراه، يقول: فرق بين ما لا فعل له ـ كالمقيد ـ وبين من له فعل، كما أن المرأة إذا أُضْجِعَتْ وَقُيِّدَتْ حتى فُعِلَ بها الفاحشة لم تأثم بالاتفاق، وإن أُكْرِهَتْ حتى زنت ففيه قولان: هما روايتان عن أحمد، لكن الجمهور يقولون: لا تأثم، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] ، وهؤلاء يقولون: فعل المرأة لا يحتاج إلى