الصفحة 465 من 761

انتشار، فإنما هو كالإكراه على شرب الخمر، بخلاف فعل الرجل، وبسط هذا له موضع آخر.

/ والمقصود أن يوسف لم يفعل ذنبًا ذكره الله عنه، وهو ـ سبحانه ـ لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارًا من هذه الكلمة، كما لم يذكر عنه استغفارًا من مقدمات الفاحشة، فعلم أنه لم يفعل ذنبًا في هذا ولا هذا، بل هَمَّ هما تركه لله، فَأُثِيْبَ عليه حسنة، كما قد بُسِطَ هذا في موضعه.

وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات، فذلك جُوْزِىَ به صاحبه بالمصائب المكفرة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما يُصيِبُ المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزن، ولا غَمٍّ ولا أذى، إلا كَفَّر الله به خطاياه) ، ولما أنزل الله تعالى هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، قال أبو بكر: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، وَأَىُّنَا لم يعمل سوءًا؟ فقال: (ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تُصِيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به) [واللأواء: الشدة وضيق المعيشة] .

فتبين أن قوله: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ، أى: نسى الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربه، ونسى ذكر يوسف ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه، ونسى الفتى ذكر يوسف ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقى ربه خمرًا، فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه / الشيطان تذكير ربه، وإذكار ربه لما قال: {اذْكُرْنِي} ، أمره بإذكار ربه، فأنساه الشيطان إذكار ربه، فإذكار ربه أن يجعله ذاكرًا، فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف، والذكر هو مصدر، وهو اسم، فقد يضاف من جهة كونه اسمًا، فيعم هذا كله، أى: أنساه الذكر المتعلق بربه، والمضاف إليه.

ومما يبين أن الذى نسى ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} [يوسف: 45] ،وقوله: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} ، دليل على أنه كان قد نسى فادكر.

فإن قيل: لا رَيْب أن يوسف سَمَّى السيد رَبا في قوله: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} و {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} ونحو ذلك، وهذا كان جائزًا في شرعه، كما جاز في شرعه أن يسجد له أبواه وإخوته، وكما جاز في شرعه أن يؤخذ السارق عبدًا، وإن كان هذا منسوخًا في شرع محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23] ، إن أراد به السيد فلا جناح عليه، لكن معلوم أن ترك الفاحشة خوفًا لله واجب ولو رضى سيدها، ويوسف ـ عليه السلام ـ تركها خوفًا من الله. {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ، قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] ، وقال يوسف ـ أيضًا ـ {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 33، 34] ، فدل على أنه كان معه من خوف الله ما يزعه عن الفاحشة، ولو رضى بها الناس، وقد دعا ربه ـ عز وجل ـ أن يصرف عنه كَيْدَهُنَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت