فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت من حاله هذا تفعل الفاحشة، إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإما إهمالا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل للّه خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله.
الوجه التاسع: أن الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب؛ ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز؛ فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني؛ لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة، كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه؛ ولهذا قالت: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها.
/ فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو باب الظلم والسوء والفحشاء، كما وصفها اللّه بذلك في قوله تعإلى عن يوسف: {مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} . ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} ، ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة؛ فليتدبر اللبيب هذه الدقائق في كتاب اللّه تعإلى.
الوجه العاشر: أن في الكلام المحكي الذي أقره اللّه تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ
رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي [يوسف: 53] ، وهذا يدل على أنه ليس كل نفس أمارة بالسوء، بل ما رحم ربي ليس فيه النفس الأمارة بالسوء.
وقد ذكر طائفة من الناس أن النفس لها ثلاثة أحوال: تكون أمارة بالسوء، ثم تكون لوامة، أي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، أو تتلوم فتتردد بين الذنب والتوبة، ثم تصير مطمئنة.
والمقصود هنا أن ما رحم ربي من النفوس ليست بأمارة، وإذا كانت النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة، فقد علمنا قطعًا أن نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء؛ لأنها أمرت بذلك مرة بعد مرة، وراودت وافترت، واستعانت بالنسوة وسجنت، وهذا من / أعظم ما يكون من الأمر بالسوء.
وأما يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإن لم تكن نفسه من النفوس المرحومة عن أن تكون أمَّارَة فما في الأنفس مرحوم؛ فإن من تدبر قصة يوسف علم أن الذي رحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي، أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة، فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن.
ولا يلتفت إلى الحكاية المذكورة عن مسلم بن يسار [هو أبو عبد الله مسلم بن يسار البصري مولي بني أمية، فقيه ناسك من رجال الحديث، لا يفضل عليه أحد في زمانه، قال ابن سعد: (كان ثقة فاضلًا عابدًا ورعًا) ، توفي سنة 100 هـ] : أن أعرابية دعته إلى نفسها، وهما في البادية؛ فامتنع وبكي، وجاء أخوه وهو يبكي فبكي وبكت المرأة، وذهبت فنام فرأي يوسف في منامه، وقال: أنا يوسف الذي