الصفحة 475 من 761

هممت، وأنت مسلم الذي لم تهم، فقد يظن من يسمع هذه الحكاية أن حال مسلم كان أكمل. وهذا جهل لوجهين:

أحدهما: أن مسلما لم يكن تحت حكم المرأة المراودة ولا لها عليه حكم، ولا لها عليه قدرة أن تكذب عليه، وتستعين بالنسوة / وتحبسه، وزوجها لا يعينه ولا أحد غير زوجها يعينه على العصمة، بل مسلم لما بكى ذهبت تلك المرأة، ولو استعصمت لكان صراخه منها أو خوفها من الناس يصرفها عنه. وأين هذا مما ابتلي به يوسف ـ عليه الصلاة والسلام؟!

الثاني: أن الهم من يوسف لما تركه للّه كان له به حسنة، ولا نقص عليه. وثبت في الصحيحين من حديث السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللّه رب العالمين) وهذا لمجرد الدعوة، فكيف بالمراودة والاستعانة والحبس؟

ومعلوم أنها كانت ذات منصب، وقد ذُكِرَ أنها كانت ذات جمال وهذا هو الظاهر، فإن امرأة عزيز مصر يشبه أن تكون جميلة، وأما البدوية الداعية لمسلم فلا ريب أنها دون ذلك، ورؤياه في المنام وقوله: أنا يوسف الذي هممت، وأنت مسلم الذي لم تهم؛ غايته أن يكون بمنزلة أن يقول ذلك له يوسف في اليقظة، وإذا قال هذا، كان هذا خيرًا له ومدحًا وثناء، وتواضعا من يوسف، وإذا تواضع الكبير مع من دونه لم تسقط منزلته.

الوجه الحادي عشر: أن هذا الكلام فيه ـ مع الاعتراف / بالذنب ـ الاعتذار بذكر سببه، فإن قولها: {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] ، فيه اعتراف بالذنب، وقولها: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] ، إشارة تطابق لقولها: {أَنَا رَاوَدتُّهُ} أي: أنا مقرة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي. ثم بينت السبب فقالت: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} . فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا مني. ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

فإن قيل: فهذا كلام من يقر بأن الزنا ذنب، وأن اللّه قد يغفر لصاحبه.

قلت: نعم. والقرآن قد دل على ذلك، حيث قال زوجها: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} [يوسف: 29] ، فأمره لها بالاستغفار لذنبها دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه، وإن كانوا مع ذلك مشركين، فقد كانت العرب مشركين وهم يحرمون الفواحش، ويستغفرون اللّه منها، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع هند بنت عتبة بن ربيعة بيعة النساء على ألا تشرك باللّه شيئًا، ولا تسرق ولا تزني. قالت: أو تزني الحرة؟ وكان الزنا معروفًا عندهم في الإماء.

ولهذا غلب على لغتهم أن يجعلوا الحرية في مقابلة الرق، وأصل / اللفظ هو العفة، ولكن العفة عادة من ليست أمة، بل قد ذكر البخاري في صحيحه عن أبي رجاء العطاردي، أنه رأى في الجاهلية قردًا يزنى بقردة، فاجتمعت القرود عليه حتى رجمته.

وقد حدثني بعض الشيوخ الصادقين، أنه رأي في جامع نوعًا من الطير قد باض، فأخذ الناس بيضه، وجاء ببيض جنس آخر من الطير، فلما انفقس البيض خرجت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت