الصفحة 478 من 761

ومن تأمل هذا الباب وجد كثيرًا من البدع أحدثت بآثار أصلها عنهم، مثل ما يروي في فضائل بقاع في الشام، من الجبال والغيران، ومقامات الأنبياء ونحو ذلك. مثل ما يذكر في جبل قاسيون، ومقامات الأنبياء التي فيه، وما في إتيان ذلك من الفضيلة حتى إن بعض المفترين من الشيوخ جعل زيارة مغارة فيه ثلاث مرات تعدل حجة، ويسمونها مقامات الأنبياء.

والآثار التي تروي في ذلك لا تصل إلى الصحابة، وإنما هي عمن / دونهم ممن أخذها عن أهل الكتاب، وإلا فلو كان لهذا أصل؛ لكان هذا عند أكابر الصحابة الذين قدموا الشام، مثل بلال بن رباح، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، بل ومثل أبي عبيدة بن الجراح ـ أمين الأمة ـ وأمثالهم. فقد دخل الشام من أكابر الصحابة أفضل ممن دخل بقية الأمصار غير الحجاز، فلم ينقل عن أحد منهم اتباع شيء من آثار الأنبياء، لا مقابرهم ولا مقاماتهم، فلم يتخذوها مساجد، ولا كانوا يتحرون الصلاة فيها، والدعاء عندها، بل قد ثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ أنه كان في سفر، فرأي قومًا ينتابون مكانًا يصلون فيه، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان صلى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: ومكان صلى فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟! أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه فليصل، وإلا فليمض.

ولما دخل بيت المقدس وأراد أن يبني مصلى المسلمين، قال لكعب: أين أبنيه؟ قال: ابنه خلف الصخرة، قال: خالطتك يهودية يابن اليهودية، بل أبنيه أمامها؛ ولهذا كان عبد اللّه ابن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى في قِبْلَيهِ، ولم يذهب إلى الصخرة.

وكانوا يكذبون ما ينقله كعب: إن اللّه قال لها: أنت عرشي الأدني، ويقولون: من وسع كرسيه السموات والأرض كيف تكون/الصخرة عرشه الأدني؟! ولم تكن الصحابة يعظمونها، وقالوا: إنما بني القُبَّة عليها عبد الملك بن مروان لما كان محاربا لابن الزبير، وكان الناس يذهبون إلى الحج فيجتمعون به عظم الصخرة؛ ليشتغلوا بزيارتها عن جهة ابن الزبير، وإلا فلا موجب في شريعتنا لتعظيم الصخرة، وبناء القُبَّة عليها وسترها بالأنطاع والجوخ. ولو كان هذا من شريعتنا؛ لكان عمر وعثمان ومعاوية ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق بذلك ممن بعدهم؛ فإن هؤلاء أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأعلم بسنته، وأتبع لها ممن بعدهم.

وكذلك الصحابة لم يكونوا ينتابون قبر الخليل صلى الله عليه وسلم، بل ولا فتحوه، بل ولا بنوا على قبر أحد من الأنبياء مسجدًا؛ فإنهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) .

ولما ظهر قبر دانيال بتُسْتَر كتب فيه أبو موسي إلى عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ فكتب إليه عمر، إذا كان بالنهار فاحفر ثلاثة عشر قبرًا، ثم ادفنه بالليل في واحد منها، وعفِّر قبره لئلا يفتتن به الناس، وقد تأملت الآثار التي تروي في قصد هذه المقامات، والدعاء /عندها أو الصلاة، فلم أجد لها عن الصحابة أصلا، بل أصلها عمن أخذَ عن أهل الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت