الصفحة 479 من 761

فمن أصول الإسلام أن تميز ما بعث اللّه به محمدًا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، ولا تخلطه بغيره، ولا تلبس الحق بالباطل، كفعل أهل الكتاب. فإن اللّه ـ سبحانه ـ أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) ، وقال عبد اللّه بن مسعود ـ رضي اللّه عنه: خط لنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خطا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: (هذا سبيل اللّه، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) ، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] .

وجماع ذلك بحفظ أصلين:

أحدهما: تحقيق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة، والتفسيرات الباطلة، بل يعطي حقه من معرفة نقله، ودلالته.

/ والثاني: ألا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيًا ولا رواية. قال اللّه تعإلى ـ فيما يأمر به بني إسرائيل، وهو عبرة لنا: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 41، 42] ، فلا يكتم الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يلبس بغيره من الباطل، ولا يعارض بغيره.

قال اللّه تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] ، وقال تعإلى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ} [الأنعام: 93] .

وهؤلاء الأقسام الثلاثة هم أعداء الرسل، فإن أحدهم إذا أتي بما يخالفه، إما أن يقول: إن اللّه أنزله على فيكون قد افتري على اللّه، أو يقول: أوحي إليه ولم يسم من أوحاه، أو يقول: أنا أنشأته، وأنا أنزل مثل ما أنزل اللّه، فإما أن يضيفه إلى اللّه أو إلى نفسه، أو لا يضيفه إلى أحد.

وهذه الأقسام الثلاثة هم من شياطين الإنس والجن، الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا. قال اللّه تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 30، 31] ، واللّه أعلم، والحمد للّه.

سُئِلَ ـ رَضي اللّه عَنهُ ـ عن قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، وهل الدعوة عامة تتعين في حق كل مسلم ومسلمة أم لا؟ وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في هذه الدعوة أم لا؟ وإذا كانا داخلين أو لم يكونا، فهل هما من الواجبات على كل فرد من أفراد المسلمين كما تقدم أم لا؟ وإذا كانا واجبين، فهل يجبان مطلقًا مع وجود المشقة بسببهما أم لا؟ وهل للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقتص من الجاني عليه إذا آذاه في ذلك لئلا يؤدي إلى طمع منه في جانب الحق أم لا؟ وإذا كان له ذلك فهل تركه أولي مطلقًا أم لا؟

فأجاب ـ رضي اللّه عنه وأرضاه:

الحمد لله رب العالمين، الدعوة إلى اللّه هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت