الصفحة 56 من 761

يده في البيعة، فعلم أن يد الله فوق أيديهم ليست هي يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول عبد الله ورسوله، فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ببيعتهم.

ألا ترى أن كل من وكل شخصا يعقد مع الوكيل، كان ذلك عقدًا مع الموكل؟ ومن وكل نائبا له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه، كانوا معاهدين لمستنيبه؟ ومن وكل رجلا في إنكاح أو تزويج، كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد؟ وقد قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} الآية [التوبة: 111] ، ولهذا قال في تمام الآية: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10] .

فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح، وأن الله إذا كان قد قال لنبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} فإيش نكون نحن؟ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (لا تُطْرُوني كما أَطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)

وأما قول القائل:

ما غبت عن القلب ولا عن عيني ** ما بينكم وبيننا من بين

فهذا قول مبنى على قول هؤلاء، وهو باطل متناقض، فإن مبناه على أنه يرى الله بعينه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت)

وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله علسه وسلم، والصحابة وأئمة المسلمين.

ولم يثبت عن ابن عباس، ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما، أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد، / وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: (أتاني البارحة ربي في أحسن صورة) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا.

وكذلك حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما ـ مما فيه رؤية ربه ـ إنما كان بالمدينة كما جاء مفسرًا في الأحاديث، والمعراج كان بمكة كما قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] ، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

وقد ثبت بنص القرآن أن موسى قيل له: {لن رآني} [الأعراف: 143] ، وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً} [النساء: 153] ، فمن قال: إن أحدًا من الناس يراه، فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران، ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتابًا من السماء.

والناس في رؤية الله على ثلاثة أقوال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت