فالصحابة والتابعونَ وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب ـ من المكاشفات والمشاهدات ـ ما يناسب حالها.
ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه، / وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
والقول الثاني: قول نفاة الجهمية: أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة.
والثالث: قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة.
وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات، فيقولون: إنه لا يري في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه يرى في الدنيا والآخرة، وهذا قول ابن عربي ـ صاحب الفصوص ـ وأمثاله؛ لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى، وهو وجود الحق عندهم.
ثم من أثبت الذات قال: يرى متجليًا فيها، ومن فرق بين المطلق والمعين قال: لا يرى إلا مقيدًا بصورة.
وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين: إنكار رؤية الله، وإثبات رؤية المخلوقات، ويجعلون المخلوق هو الخالق، أو يجعلون الخالق حالا في المخلوق، وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول من يقول: بأن المعدوم شيء في الخارج، وهو قول باطل، وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق.
وأما التفريق بين المطلق والمعين ـ مع أن المطلق لا يكون هو في الخارج مطلقًا ـ فيقتضي أن يكون الرب معدوما، وهذا هو جحود الرب وتعطيله،/ وإن جعلوه ثابتا في الخارج جعلوه جزءا من الموجودات، فيكون الخالق جزءا من المخلوق أو عرضا قائما بالمخلوق، وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
وأما تناقضه فقوله:
ما غبت عن القلب ولا عن عيني ** ما بينكم وبيننا من بين
يقتضى المغايرة، وأن المخاطَب غير المخاطِب، وأن المخاطَب له عين وقلب لا يغيب عنهما المخاطب، بل يشهده القلب والعين، و الشاهد غير المشهود.
وقوله:
ما بينكم وبيننا من بين **
فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير المخاطب، وهذا إثبات لاثنين، وإن قالوا: هذه مظاهر ومجالٍ، قيل: فإن كانت المظاهر والمجالي غير الظاهر والمتجلي، فقد ثبتت التثنية وبطلت الوحدة، وإن كان هو إياها فقد بطل التعدد، فالجمع بينهما تناقض.
وقول القائل:
فارق ظلم الطبع وكن متحدا ** بالله وإلا فكل دعواك محال
إن أراد الاتحاد المطلق، فالمفارق هو المفارق، وهو الطبع وظلم الطبع، وهو المخاطب بقوله: وكن متحدًا بالله وهو المخاطب بقوله: كل دعواك محال وهو القائل هذا القول، وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى.