فهرس الكتاب
حركات هذه الأجسام ليست كلها عن حركات الأفلاك، بل فيها قوى وأسباب توجب لها حركات أخر، كما في كل فلك مبتدأ حركة ليست عن الفلك الآخر.
والحركات كلها: إما [طبيعية] وإما [إرادية] وإما [قسرية] ، فالقسرية تابعة للقاسر، والطبيعية هي التي لا إحساس للمتحرك بها كحركة التراب إلى أسفل، والإرادية هي التي للمتحرك بها حس كحركة الحيوان، فما كان من هذه متحركًا بطبع فيه أو إرادة، فمبدأ حركته منه، وما كان مقسورًا فقاسره من المخلوقات إنما يقسره لما فيه من الاستعداد لقبول قسره، وذلك معنى ليس /من القاسر، فحركات الأفلاك إذا اجتمعت ليست مستقلة بتحريك هذه الأجسام، وإن جاز أن تكون جزءًا للسبب، كما نشهد أن الشمس جزء سبب في نمو بعض الأجسام ورطوبتها ويبسها ونحو ذلك، ثم بتقدير أن تكون أسبابًا فلها موانع ومعارضات؛ إذ ما من سبب يقدر إلا وله مانع إرادي أو طبيعي، أو غير ذلك كالدعاء والصدقة والأعمال الصالحة، فإنها من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء، ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف وغيره من الآيات السماوية التي تكون سببًا للعذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) ، وأمر صلى الله عليه وسلم عند الكسوف، بالصلاة والذكر والاستغفار والصدقة والعتاقة.
وإذا عرف أن كل واحد من الموجودات المشهودة، إذا نظرت إليها ـ واحدًا واحدًا ـ من الفلك التاسع وغيره، وجدته غير مستقل بإحداث شيء أصلا، بل لابد للحوادث من أسباب أخر، وإن كان هو جزء سبب، ولها معارضات أخر، علم بذلك أنه ليس في هذه الأمور ما يجوز أن يقال: هو المحدث للحوادث المشهودة، فضلًا عن أن يقال: هو المبدع للأجسام المتحركة حركة تخالف حركته، وتدفع موجبها، فإن الشيء لا يوجب ما يضاده ويخالفه، وإذا كان في الأجسام المتحركة، ما يخالف مقتضاه موجب الفلك التاسع ومقتضاه /ويضاده، امتنع أن يكون أحدهما علة الآخر، لأن المعلول لا يضاد علته، كما لا يجوز أن يكون فاعلا لها، كما أن الشيء لا يكون ضدًا لنفسه ولا فاعلًا لنفسه، فإن مضادته لنفسه توجب أن يكون وجوده تابعًا لوجوده، فيكون موجودًا معدومًا، وفعله لنفسه مع كون العلة متقدمة على المعلول يوجب أن تكون نفسه موجودة معدومة.
ومن المعلوم أن [الفلك التاسع] إذا لم تكن الحوادث والحركات التي عن قوى الأجسام منه، وإنما منه حركة عرضية لها، فألا تكون نفس الأجسام وقواها منه أولى وأحرى! ويعلم بذلك أن المحرك للأفلاك وغيرها من الأجسام المشهودة والمبدع لهذه الأجسام بسبب آخر رب غيرها، هو الذي أبدعها على صورها المختلفة وحركها بالحركات المختلفة، وهو المطلوب.
ثم هذه الكواكب إذا كانت جزء السبب من بعض الحوادث، فإنما تكون جزء السبب في حال دون حال، فإنها في حال ظهورها على وجه الأرض يظهر نورها وأثرها، فإذا أفلت انقطع نورها وأثرها، فلا تبقى حينئذ سببًا ولا جزءًا من السبب؛ ولهذا قال الخليل صلى الله عليه وسلم: {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 67] فإنها في حال أفولها قد انقطع أثرها عنا بالكلية، فلم تبق شبهة يستند إليها المتعلق بها، والرب الذي يدعي ويسأل ويرجى ويتوكل عليه لابد أن يكون قيومًا يقيم العبد في جميع الأوقات والأحوال كما قال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] ، وقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255،آل عمران: 2] ، فهذا وغيره من أنواع/النظر والاعتبار يوجب أن العبد لا يرجو إلا الله ولا يتوكل إلا عليه.