الصفحة 99 من 282

يطلبون منه ما لا يحب أن يطلب منه، بل الملائكة الذين هم ملائكته كما قال فيهم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28] .

/والصادر عنهم إما قول وإما عمل، فالقول لا يسبقونه به بل لا يقولون حتى يقول، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وعلينا أن نكون معه ومع رسله هكذا، فلا نقول في الدين حتى يقول، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله ولا نعبده إلا بما أمر، وأعلى من هذا ألا نعمل إلا بما أمر، فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أو مستحبة، وإذا كان هكذا في مثل هذه الأسباب فكيف بمن توكل أو رجا أسبابًا غير هذه من الكواكب أو غيرها، أو من أفعال الآدميين من الملوك والرؤساء والأصحاب والأصدقاء والمماليك والأتباع وغير ذلك؟!

ومما ينبغي أن يعلم: ما قاله طائفة من العلماء، قالوا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب: أن تكون أسبابًا، نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع.

وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس مستقلا، ولابد له من شركاء وأضداد، ومع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر، وهذا مما يبين أن الله رب كل شيء ومليكه، وأن السموات والأرض وما بينهما والأفلاك وماحوته لها خالق مدبر غيرها، وذلك أن كل ما يصدر عن فلك أو كوكب أو ملك أو غير ذلك، فإنك تجده ليس مستقلا بإحداث شيء/ من الحوادث، بل لابد من مشارك ومعاون وهو مع ذلك له معارضات وممانعات.

ومن أعظم ذلك [الفلك الأطلس التاسع] الذي يظن كثير من المتفلسفة الإلهيين والمنجمين وغيرهم أن حركته هي السبب في حدوث الحوادث كلها، وإليها انتهى علمهم بأسباب الحوادث، ثم هم إما أن يجعلوه معلولًا لواجب الوجود بتوسط عقل أو نفس أو بغير توسط ذلك، وإما أن ينكروا أن يكون معلولا ويجعلونه واجب الوجود بنفسه، فقولهم هذا من أعظم الأقوال فسادًا، وإن كانوا مع ذكائهم لا يهتدون لذلك، ولا يهتدي كثير من الناس للرد عليهم في ذلك.

وكل من نظر إلى السماء علم أن حركته ليست هي السبب في جميع الحركات العلوية، فإن كثيرًا ما يقال: إنه بحركته المشرقية يتحرك كل ما فيه من الأفلاك من المشرق إلى المغرب، لكن مع هذا لكل فلك حركة أخرى تخصه تخالف هذه الحركة فلك الثوابت وفلك الشمس والقمر وغيرهما من الخنس الجواري الكنس، وهذه الحركات المختلفة ليست عن تلك الحركة تخالفها، ولا أفلاكها معلولة عن ذلك الفلك التاسع.

فلو قدر أن الحوادث تكون بحركة الكواكب، وما يحدث من الأشكال المختلفة بالتثليث والتربيع والتسديس والقران وغير ذلك، فمن المعلوم أن تلك/ الأشكال المختلفة ليست معلولة عن حركة التاسع، بل حركة التاسع جزء السبب، كما أن حركة كل فلك جزء السبب، والشكل الفلكي حادث عن مجموع الحركتين، أو الحركات المختلفة، فإذا قدر أن التسعة اقترنت فلها سبع حركات بل أكثر من ذلك عندهم بحسب الأفلاك الأخر الزوائد المستدل عليها بالحركات المختلفة، كالأفلاك البدرية وغيرها مما تكون به استقامة الكواكب ورجوعها، وغير ذلك من حركاته، وإذا كان كذلك فمن جعل حركة التاسع هي السبب في جميع الحوادث، كان قوله مخالفًا لما هو معلوم عند هؤلاء الفلاسفة والمنجمين، وعند كل عاقل، ثم إذا قدر أنها سبب حركة جميع الأفلاك فليست مستقلة بإحداث شيء من السحب والرعود والبروق والأمطار والنبات وأحوال الحيوان والمعدن؛ لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت