الصفحة 77 من 282

ثابتًا في الخارج، ولكن يقدر اجتماعهما في الذهن، ثم يحكم على ذلك بأنه ممتنع في الخارج؛ إذ كان يمتنع تحققه في الأعيان، وتصوره في الأذهان، إلا على وجه التمثيل بأن يقال: قد تجتمع/ الحركة والسكون في الشىء، فهل يمكن في الخارج أن يجتمع السواد والبياض في محل واحد، كما تجتمع الحركة والسكون؟ فيقال: هذا غير ممكن، فيقدر اجتماع نظير الممكن ثم يحكم بامتناعه، وأما نفس اجتماع البياض والسواد في محل واحد، فلا يمكن ولا يعقل، فليس بشىء لا في الأعيان ولا في الأذهان، فلم يدخل في قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحديد: 2] 0

المسألة الثانية: أن المعدوم ليس بشىء في الخارج عند الجمهور وهو الصواب0

وقد يطلقون أن الشىء هو الموجود، فيقال على هذا: فيلزم ألا يكون قادرًا إلا على موجود، وما لم يخلقه لا يكون قادرًا عليه، وهذا قول بعض أهل البدع، قالوا: لا يكون قادرًا إلا على ما أراده، دون ما لم يرده، ويحكى هذا عن تلميذ النظام. والذين قالوا: إن الشىء هو الموجود ـ من نظار المثبتة كالأشعري، ومن وافقه من أتباع الأئمة؛ أحمد وغير أحمد، كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وغيرهما ـ يقولون: إنه قادر على الموجود، فيقال: إن هؤلاء أثبتوا ما لم تثبته الآية، فالآية أثبتت قدرته على الموجود، وهؤلاء قالوا: هو قادر على الموجود والمعدوم0

والتحقيق: أن الشىء اسم لما يوجد في الأعيان، ولما يتصور في الأذهان، فما قدَّره الله وعلم أنه سيكون هو شىء في التقدير والعلم والكتاب، وإن لم يكن/شيئًا في الخارج. ومنه قوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، ولفظ الشىء في الآية يتناول هذا وهذا، فهو على كل شىء ما وجد وكل ما تصوره الذهن موجودًا، إن تصور أن يكون موجودًا قديرًا، لا يستثنى من ذلك شىء، ولا يزاد عليه شىء، كما قال تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] ، وقال: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65] ، وقد ثبت في الصحيحين: أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك) . فلما نزل: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} الآية قال: [هاتان أهون] . فهو قادر على الأولتين وإن لم يفعلهما، وقال: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] 0

قال المفسرون: لقادرون على أن نذهب به حتى تموتوا عطشًا، وتهلك مواشيكم، وتخرب أراضيكم. ومعلوم أنه لم يذهب به، وهذا كقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 68 - 82] ، وهذا يدل على أنه قادر على ما لا يفعله. فإنه أخبر أنه لو شاء جعل الماء أجاجًا وهو لم يفعله، ومثل هذا: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] 0 {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 99] ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ} [البقرة: 253] ، فإنه أخبر في غير موضع أنه لو شاء لفعل أشياء وهو لم يفعلها، فلو لم يكن قادرًا عليها؛ لكان إذا شاءها لم يمكن فعلها0

المسألة الثالثة: أنه على كل شىء قدير، فيدخل في ذلك /أفعال العباد وغير أفعال العباد. وأكثر المعتزلة يقولون: إن أفعال العبد غير مقدورة0

المسألة الرابعة: أنه يدخل في ذلك أفعال نفسه، وقد نطقت النصوص بهذا، وهذا كقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81] ، {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] ، {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة: 4] ونظائره كثيرة0

والقدرة على الأعيان جاءت في مثل قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} [ق: 16] ، {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد: 5] ، وجاءت منصوصًا عليها في الكتاب والسنة0 أما الكتاب فقوله: فَإِمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت