الصفحة 78 من 282

نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [الزخرف: 41] ، فبين أنه ـ سبحانه ـ يقدر عليهم أنفسهم، وهذا نص في قدرته على الأعيان المفعولة، وقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45] ، و {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] ونحو ذلك. وهو يدل بمفهومه على أن الرب هو الجبار عليهم المسيطر، وذلك يستلزم قدرته عليهم، وقوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] ـ على قول الحسن وغيره من السلف ممن جعله من القدرة ـ دليل على أن الله قادر عليه وعلى أمثاله، وكذلك قول الموصى لأهله: لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين. فلما حرقوه أعاده الله ـ تعالى ـ وقال له: (ما حملك على ما صنعت؟) ـ قال: خشيتك يا رب! فغفر له، وهو كان مخطئًا في قوله: لئن قدر الله علي ليعذبني كما يدل عليه الحديث، وإن الله/ قدر عليه، لكن لخشيته وإيمانه غفر الله له هذا الجهل والخطأ الذي وقع منه0

وقد يستدل بقوله: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} إلى قوله: {فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 20ـ 23] على قول من جعله من القدرة، فإنه يتناول القدرة على المخلوقين وإن كان ـ سبحانه ـ قادرًا ـ أيضًا ـ على خلقه، فالقدرة على خلقه قدرة عليه، والقدرة عليه قدرة على خلقه، وجاء ـ أيضًا ـ الحديث منصوصًا في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود لما رآه يضرب عبده: (لله أقدر عليك منك على هذا) 0 فهذا فيه بيان قدرة الرب على عين العبد، وأنه أقدر عليه منه على عبده، وفيه إثبات قدرة العبد0

وقد تنازع الناس في قدرة الرب والعبد، فقالت طائفة: كلا النوعين يتناول الفعل القائم بالفاعل، ويتناول مقدوره وهذا أصح الأقوال، وبه نطق الكتاب والسنة، وهو أن كل نوع من القدرتين يتناول الفعل القائم بالقادر ومقدوره المباين له، وقد تبين بعض ما دل على ذلك في قدرة الرب. وأما قدرة العبد، فذكر قدرته على الأفعال القائمة به كثيرة، وهذا متفق عليه بين الناس الذين يثبتون للعبد قدرة، مثل قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] ، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ} الآية [التوبة: 24] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِكَ) (2) 0

/وأما المباين لمحل القدرة، فمثل قوله: {وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَهَا} إلى قوله: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} إلى {قَدِيرًا} [الفتح:. 20ـ21] ، فدل على أنهم قدروا على الأول، وهذه يمكن أن يقدروا عليها وقتًا آخر. وهذه قدرة على الأعيان، وقوله: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} إلى قوله: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا} الآية [القلم: 25ـ32] 0

قال أبو الفرج: وفي قوله: {قّادٌرٌينّ} ثلاثة أقوال:

أحدها: قادرين على جنتهم عند أنفسهم، قاله قتادة. قلت: وهو قول مجاهد وقتادة، رواه ابن أبي حاتم عنهما. قال مجاهد: قادرين في أنفسهم، وهذا الذي ذكره البغوي: قادرين عند أنفسهم على جنتهم، وثمارها، لا يحول بينهم وبينها أحد، وعن قتادة قال: غدا القوم وهم يحدون إلى جنتهم، قادرين على ذلك في أنفسهم0

قال أبو الفرج: والثاني: قادرين على المساكين، قاله الشعبي، أي: على منعهم. وقيل: على إعطائهم لكن البخل منعهم من الإعطاء، والله أعلم0

والثالث: غدوا وهم قادرين، أى: واجدون، قاله ابن قتيبة0

قلت: الآية وصفتهم بأنهم غدوا على حرد قادرين، فالحرد يرجع إلى القصد، فغدوا بإرادة جازمة وقدرة، ولكن الله أعجزهم. وقول من قال: قادرين عند أنفسهم، أى: ظنوا أن الأمر يبقى كما كان، ولو كان كذلك، لتمت قدرتهم، لكن سلبوا القدرة بإهلاك جنتهم0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت