الصفحة 80 من 282

وأيضًا، فالقرآن دل على أن المفعولات الخارجة مصنوعة لهم، وما كان مصنوعًا لهم فهو مقدور بالضرورة والاتفاق، والمنازع يقول: ليس شىء خارجًا عن محل قدرتهم مصنوعًا لهم، و هذا خلاف القرآن، قال تعالى لنوح: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} ، وقال: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} [هود: 37، 38] ، وقد أخبر أن الفلك مخلوقة مع كونها مصنوعة لبني آدم، وجعلها من آياته، فقال: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41] ، {سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] ، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] ، وقال: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95، 96] 0

/فجعل الأصنام منحوتة معمولة لهم، وأخبر أنه خالقهم، وخالق معمولهم فإن [ما] هاهنا بمعنى الذي، والمراد خلق ما تعملونه من الأصنام، وإذا كان خالقًا للمعمول وفيه أثر الفعل، دل على أنه خالق لأفعال العباد. وأما قول من قال: [ما] مصدرية، فضعيف جدًا0

وقال تعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] ، وإنما دمر ما بنوه وعرشوه، فأما الأعراض التي قامت بهم، فتلك فنيت قبل أن يغرقوا، وقوله: {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} دليل على أن العروش مفعول لهم، هم فعلوا العرش الذي فيه، وهو التأليف، ومثل قوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء: 128] ، يدل على أن المبني هم بنوه، حيث قال: {أَتَبْنُونَ} ؟ وكذلك قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [الشعراء: 149] ، هو كقوله: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95] ، وقوله: {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} [الفجر: 9] ، دل على أنهم جابوا الصخر، أي: قطعوه0

ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ، فأمر بقتلهم، والأمر إنما يكون بمقدور العبد، فدل على أن القتل مقدور له، وهو الفعل الذي يفعله في الشخص فيموت، وهو مثل الذبح، ومنه قوله: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] ، وقوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} [المائدة: 95] ، وقوله: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، يدل على أن الصيد مقتول للآدمي الذي قتله، بخلاف قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] ، فإنه مثل قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ} [الأنفال: 17] ، فإن قتلهم حصل بأمور خارجة عن قدرتهم، مثل إنزال الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وكذلك الرمي، لم يكن في قدرته أن التراب يصيب أعينهم كلهم، ويرعب قلوبهم، فالرمي الذي جعله الله خارجًا عن قدرة العبد المعتاد، هو الرمي الذي نفاه الله عنه0

قال أبو عبيد: ما ظفرت أنت ولا أصبت، ولكن الله ظفرك وأيدك. وقال الزجاج: ما بلغ رميك كفًا من تراب، أو حصًا أن يملأ عيون ذلك الجيش الكثير، إنما الله تولى ذلك. وذكر ابن الأنباري: ما رميت قلوبهم بالرعب، إذ رميت وجوههم بالتراب. ولهذا كان هذا أمرًا خارجًا عن مقدوره، فكان من آيات نبوته0

وقيل: بل الرب ـ تعالى ـ لا يقدر إلا على المخلوق المنفصل لا يقوم به فعل يقدر عليه، والعبد لا يقدر إلا على ما يقوم بذاته، لا يقدر على شىء منفصل عنه، وهذا قول الأشعري ومن وافقه من أتباع الأئمة: كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم0

وقيل: إن العبد يقدر على هذا وهذا، والرب لا يقدر إلا على المنفصل وهو قول المعتزلة، وقيل: إن كليهما يقدر على ما يقوم به دون المنفصل، وما علمت أحدًا قال: كلاهما يقدر على المنفصل دون المتصل0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت