الصفحة 81 من 282

المسألة الخامسة: أن القدرة هي قدرته على الفعل، والفعل نوعان: / لازم، و متعد، والنوعان في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] ، فالاستواء والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك أفعال لازمة، لا تتعدى إلى مفعول؛ بل هي قائمة بالفاعل، والخلق والرزق والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع، والهدى والنصر، والتنزيل ونحو ذلك، تتعدى إلى مفعول0

والناس في هذين النوعين على ثلاثة أقوال:

منهم من لا يثبت فعلا قائما بالفاعل، لا لازمًا ولا متعديًا، أما اللازم فهو عنده منتفٍ، وأما المتعدى ـ كالخلق ـ فيقول: الخلق هو المخلوق، أو معنى غير المخلوق، وهذا قول الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم كالأشعري ومتبعيه، وهذا أول قولي القاضي أبي يعلى، وقول ابن عقيل.

وكثير من المعتزلة يقولون: الخلق هو المخلوق. وآخرون يقولون: هو غيره، لكن يقولون: بأن الخلق له خلق آخر، كما يقوله مَعْمَر بن عَبَّاد، ويسمون أصحاب المعاني المتسلسلة. ومنهم من يقول: الخلق هو نفس الإرادة، كما يقوله من يقوله من بعض المعتزلة من أهل البصرة0

والقول الثاني: أن الفعل المتعدي قائم بنفسه دون اللازم. فيقولون: الخلق قائم بنفسه ليس هو المخلوق. وهم على قولين:

/منهم من جعل ذلك الفعل حادثًا0

ومنهم من يجعله قديمًا، فيقول: التخليق والتكوين قديم أزلي. وهؤلاء منهم من يجعل عين التخليق شيئًا واحدًا هو قديم، والمخلوقين مادته؛ ولكنه قديم أزلي، ولا يثبتون نزولا قائمًا بنفسه، ولا استواء؛ لأن هذه حوادث وهذا قول الكُلابِيَّة الذين يقولون: فعله قديم مثل كلامه، كما قال أصحاب ابن خُزَيْمَة، وهو قول كثير من الحنفية والحنبلية والمالكية والشافعية، ومنهم من يجعل القديم هو النوع وأفراده حادثة، فعلى هذا القول يكون الفعل نفسه مقدورًا، وأما على قول من يجعله شيئًا معينًا، فهؤلاء إن قالوا: قديم، تناقضوا ولزمهم أن يكون القديم المعين مقدورًا، وإن قالوا: هو غير مقدور، تناقضوا؛ لأن الفعل يجب أن يكون مقدورًا، والله أعلم0

والقول الثالث: إثبات الفعلين: اللازم والمتعدي كما دل عليه القرآن، فنقول: إنه كما أخبر عن نفسه: إنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو قول السلف وأئمة السنة، وهو قول من يقول: إنه تقوم به الصفات الاختيارية كأصحاب أبي معاذ وزهير البابي وداود بن علي والكَرَّامِيَّة وغيرهم من الطوائف، وإن كانت الكرامية يقولون: بأن النزول والإتيان أفعال تقوم به، وهؤلاء يقولون: يقدر على أن يأتي ويجيء وينزل ويستوي، ونحو ذلك من الأفعال، كما أخبر عن نفسه، وهذا هو الكمال0

/وقد صرح أئمة هذا القول بأنه يتحرك، كما ذكر ذلك حرب الكَرْماني عن أهل السنة والجماعة، وسمى منهم: أحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم. وكذلك ذكره عثمان بن سعيد الدارمي عن أهل السنة، وجعل نفي الحركة عن الله ـ عز وجل ـ من أقوال الجهمية التي أنكرها السلف، وقال: كل حي متحرك، وما لا يتحرك فليس بحي. وقال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب يتحرك، فقل: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء0

وهؤلاء يقولون: من جعل هذه الأفعال غير ممكنة ولا مقدورة له، فقد جعله دون الجماد، فإن الجماد وإن كان لا يتحرك بنفسه فهو يقبل الحركة في الجملة. وهؤلاء يقولون: إنه ـ تعالى ـ لا يقبل ذلك بوجه ولا تمكنه الحركة، والحركة والفعل صفة كمال، كالعلم والقدرة والإرادة، فالذين ينفون تلك الصفات سلبوه صفات الكمال، فكذلك هؤلاء الكلابية0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت