الصفحة 82 من 282

وأولئك ـ نفاة الصفات ـ إذا قيل لهم: لو لم يكن حيًا، عليمًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا؛ للزم أن يكون ميتًا، جاهلًا، أصم، أعمى، أخرس، وهذه نقائص يجب تنزيهه عنها، فإنه ـ سبحانه ـ قد خلق من هو حي سميع بصير متكلم عالم، قادر متحرك، فهو أولى بأن يكون كذلك، فإن كل كمال في المخلوق المعلول فهو من كمال الخالق الذي يسمونه علة فاعلية.

/وأيضًا، فالقديم الواجب بنفسه أكمل من المحدث، فيمتنع أن يختص الناقص بالكمال. قالوا: وأما الجماد فلا يسمي حيًا ولا ميتًا. وقد ذكرنا في غير موضع الجواب عن هذه بأجوبة:

أحدها: أن قولهم: إن الجماد لا يسمى حيًا، وإنما يسمى ميتًا ما كان قابلًا للحياة: هو اصطلاح، وإلا فالقرآن قد سمى الجماد ميتًا في غير موضع، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} الآية [النحل: 20، 21] ، فسمى الأصنام أمواتًا وهي حجارة، وقال: {وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} [يس: 33] 0

الوجه الثاني: لا نسلم امتناع قبول هذه الحياة، بل الرب ـ تعالى ـ قد جعل الجمادات قابلة للحياة، ولا يمتنع قبولها لها، فإن الله تعالى قد جعل عصى موسى حية تسعى، فدل على أن الخشب يمكن أن يكون حيوانًا، وموسى لما اغتسل جعل ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، وقد أحيا الله الحوت المشوي الذي كان معه ومع فتاه، وقد سبح الحصا والطعام ـ سبح وهو يؤكل ـ وكان حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحن الجذع، والجبال سبحت مع داود، ونظائر هذا كثيرة، وقد قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] 0

الوجه الثالث: أن يقال: هب أنه لا يوصف بالموت إلا ما قبل الحياة، فمعلوم أن ما قبل الحياة أكمل ممن لا يقبلها، فالجنين في بطن أمه قبل أن ينفخ/ فيه الروح أكمل من الحجر، وقد قال تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] ، فالجنين يمكن أن يصير حيًا في العادة، ناطقًا نطقًا يسمعه الإنسان السماع المعتاد، فهو أكمل من الحجر والتراب0

وأيضًا، فيقال لهم: رب العالمين إما أن يقبل الاتصاف بالحياة والعلم ونحو ذلك، وإما ألا يقبل، فإن لم يقبل ذلك ولم يتصف به، كان دون الأعمى الأصم الأبكم، وإن قبلها ولم يتصف بها، كان ما يتصف بها أكمل منه، فجعلوه دون الإنسان والبهائم، وهكذا يقال لهم في أنواع الفعل القائم به ـ كالإتيان، والمجىء، والنزول، وجنس الحركةـ: إما أن يقبل ذلك وإما ألا يقبله، فإن لم يقبله، كانت الأجسام التي تقبل الحركة ولم تتحرك أكمل منه، وإن قبل ذلك ولم يفعله، كان ما يتحرك أكمل منه، فإن الحركة كمال للمتحرك، ومعلوم أن من يمكنه أن يتحرك بنفسه أكمل ممن لا يمكنه التحرك، وما يقبل الحركة أكمل ممن لا يقبلها0

والنفاة عمدتهم أنه لو قبل الحركة لم يخل منها، ويلزم وجود حوادث لا تتناهى، ثم ادعوا نفي ذلك وفي نفيه نقائص لا تتناهى، والمثبتون لذلك يقولون: هذا هو الكمال، كما قال السلف: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، كما قال ذلك ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وغيرهما. وذكر البخاري عن نعيم بن حماد أنه قال: الحي هو الفعال، وما ليس بفعال فليس بحي. وقد عرف/ بطلان قول الجهمية وغيرهم بامتناع دوام الفعل والحوادث، كما قد بسط في غير هذا الموضع0

والمقصود هاهنا، أن هؤلاء لا يجعلونه قادرًا على هذه الأفعال، وهي أصل الفعل، فلا يكون على شىء قدير على قولهم، بل ولا على شىء، وقد قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٌِ} [الزمر: 67] . قال ابن عباس ـ في رواية الوالبي عنه ـ: هذه في الكفار، فأما من آمن أن الله على كل شىء قدير، فقد قدر الله حق قدره0

وذكروا في قوله: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج: 74] ، ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته، وهذه الكلمة ذكرها الله في ثلاثة مواضع: في الرد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت